سلمان الحربي
لنتصور فريقًا سعوديًا طوّر تقنيةً واعدة لتقليل استهلاك الطاقة في تحلية المياه. يسعى إلى اختبارها ميدانيًا، فيسأله المشغّل:
أين استُخدمت من قبل؟ سؤال مفهوم لحماية منشأة حيوية، لكنه يضع التقنية أمام مفارقة: لا تحصل على أول عميل قبل أن تثبت نجاحها، ولا تستطيع إثبات نجاحها التشغيلي من دون جهة تمنحها فرصة الاختبار. هنا قد تتعطل قيمة اقتصادية، حتى لو توافرت الفكرة والتمويل والحماية.
في السعودية، يكتسب السؤال توقيتًا مهمًا. فقد نُشر نظام المنافسات والمشتريات الحكومية الجديد في «أم القرى» يوم 4 سبتمبر 2026، ونصت مادته الثامنة والتسعون على إعداد لائحة لدعم البحث والتطوير والابتكار تشمل أحكام الطرح والتعاقد لهذا الغرض. وحدد بدء العمل بالنظام بعد 120 يومًا من نشره.
إنها فرصة لصياغة انتقال عملي من تمويل الابتكار إلى شراء خدمات تطويره واختباره، ثم اقتناء ما يثبت جدواه، ضمن ضوابط المنافسة وحماية المال العام.
توضح البيانات حجم الرهان؛ إذ بلغ الإنفاق على البحث والتطوير في المملكة 29.48 مليار ريال خلال 2024، بزيادة 30.4% على العام السابق، بحسب الهيئة العامة للإحصاء.
هذه أرقام مهمة للجهد البحثي، لكنها لا تخبرنا وحدها بما وصل إلى الاستخدام التجاري، ولا يصح الاستدلال بها على نجاحه أو تعثره. ما تستدعيه هو تتبع رحلة الأبحاث الموجّهة إلى التطبيق، ومعرفة ما يساعدها على الوصول إلى المستفيد.
لا يبدأ هذا النقاش من فراغ؛ فإطار مناطق الابتكار، الذي أطلقته هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار في فبراير 2026، يضع تسريع نقل التقنية ضمن مرتكزاته.
السؤال الذي يستحق البناء عليه: كيف تتصل هذه الجهود بجهة لديها احتياج فعلي وميزانية للتعاقد، بحيث لا يبقى نقل التقنية مهمةً يؤديها الباحث ومكتب الجامعة وحدهما؟
ويلزم هنا ضبط معنى النجاح. فالبراءة تحمي حقوق صاحب الاختراع، لكنها لا تغني عن إثبات جدواه التجارية.
كذلك لا ينبغي إخضاع البحث الأساسي لاختبار البيع السريع؛ فغاياته وآجاله مختلفة.
حديثنا عن حلول تتجه إلى التطبيق وتحتاج إلى اختبار منضبط يميّز الوعد التقني من القيمة القابلة للتحقق، لا عن إلزام كل عالم بأن يصبح تاجرًا.
في تقديري، تكمن إحدى العقد في توزيع كلفة التعلم. الجهة التي تختبر أولًا قد تتحمل تكاليف تهيئة الموقع والتكامل والتدريب ومخاطر التعثر، بينما يستفيد المشترون اللاحقون من الأدلة التي أنتجتها. عندئذ قد يكون الانتظار مفهومًا لكل مشترٍ، لكنه يؤخر السوق بأكملها. من هنا ينبغي أن يشمل تصميم دعم الابتكار الطرف الذي سيجرّب الحل، لا الطرف الذي يطوّره فقط.
وتقدم المفوضية الأوروبية تمييزًا مفيدًا: «المشتريات قبل التجارية» تشتري خدمات البحث والتطوير من موردين متنافسين، عبر مراحل لتصميم الحلول وبناء النماذج واختبارها، ولا تشمل الإنتاج التجاري واسع النطاق. أما شراء الحلول الابتكارية فيخدم تبني منتجات أقرب إلى السوق وتوسيع استخدامها. أي إن شراء المعرفة اللازمة للتحقق من الحل يختلف عن شراء المنتج بعد نضجه؛ والخلط بينهما قد يحمل التجربة المبكرة شروط منتج مكتمل.
أقترح أن يُترجم هذا المنطق، ضمن الترتيبات الوطنية، إلى مسار محدود لـ«العميل الأول»، يبدأ بتحديات تشغيلية في المياه والطاقة والزراعة.
لا يحتاج ذلك بالضرورة إلى مؤسسة جديدة؛ يحتاج إلى جهة صاحبة مشكلة، وتمويل محدد، وموقع اختبار، ومسؤول يملك صلاحية قرار التبني. ويُعلن التحدي بوصفه نتيجة مطلوبة: خفض الهدر أو تقليل كلفة التشغيل، مع حفظ الجودة والسلامة، بدل تفصيل الطلب على جهاز بعينه.
وتُدفع مستحقات التطوير والاختبار وفق مراحل ومخرجات محددة، مع تقييم مستقل ومقارنة بالحل المستخدم فعلًا. فلا يكفي أن يعمل النموذج؛ يجب أن نعرف مقدار التحسن، وكلفة الصيانة، ومتطلبات التشغيل، وما إذا كان الوفر يستمر بعد انتهاء التجربة. ويكون التوسع قرارًا لاحقًا يستند إلى النتائج والجدوى والمنافسة، لا مكافأة تلقائية لمجرد المشاركة.
قبل بدء التجربة، ينبغي تحديد ما سيحدث إن نجحت:
من يقيّم؟ ومن يتخذ قرار الشراء؟ وما مساره ومصدر تمويله المحتمل؟
هذه ليست ضمانة لترسية لاحقة، وإنما حماية من تجربة تنتهي بتقرير إعجاب ثم تعود إلى نقطة الصفر. لا يكفي أن نشتري إثبات الجدوى، ثم نترك قرار الاستفادة منه بلا صاحب.
أما حماية المال العام فتقتضي سقفًا للخسارة المقبولة، وشروطًا معلنة لإيقاف التجربة، وإفصاحًا عن تعارض المصالح.
ومن المهم التمييز في التقييم بين نتيجة تقنية سلبية ظهرت رغم الالتزام بمنهج سليم، وبين إهمال أو تضليل. فالاختبار الجاد قد يثبت عدم صلاحية الحل، وهذه معرفة تستحق تكلفتها إذا منعت إنفاقًا أكبر؛ لكنها ليست ذريعة لإدامة مشروع ثبت تعثره.
أقترح أن تخرج كل تجربة بملف أداء موثق يوضح ظروف الاختبار وحدوده ونتائجه، وتُنظم إمكانية الاستفادة منه لدى مشترين آخرين، مع حماية الأسرار والبيانات.
ويجب أن تحسم العقود حقوق الملكية والاستخدام والترخيص بما يصون المصلحة العامة ويتيح تطوير التقنية وتسويقها لاحقًا.
هكذا تساعد التجربة في بناء الثقة خارج الجهة الأولى، من دون أن تتحول إلى شهادة صلاحية مطلقة لكل استخدام.
يبقى المقياس الذي أقترح إضافته إلى تقارير هذه البرامج:
ماذا حدث بعد العقد الأول؟
كم تجربة انتقلت إلى شراء فعلي؟
كم منتجًا أو ترخيصًا وجد مشتريًا ثانيًا مستقلًا، خارج تمويل التجربة؟
وما التحسن المحقق مقارنة بالبدائل، خلال مدد تلائم طبيعة كل تقنية؟
هذه الأسئلة تساعد على التمييز بين صناعة سوق وصناعة سلسلة من التجارب المدعومة.
ليس مطلوبًا أن تشتري الدولة كل اختراع سعودي، ولا أن تحمي منتجًا ضعيفًا من المنافسة.
المطلوب أن تتيح للحلول الواعدة اختبارًا عادلًا، وأن تجعل نجاحها قابلًا للتحول إلى تعاقد، وفشلها قابلًا للتعلم والتوقف.
فالعقد الأول يفتح الباب، لكن القيمة تظهر في قدرة التقنية على كسب من يأتي بعده.
عندها يصبح السؤال الأجدى: كم مشتريًا اختار هذا الحل لأنه يحتاجه، لا لأن برنامجًا دفعه إلى تجربته؟
أين استُخدمت من قبل؟ سؤال مفهوم لحماية منشأة حيوية، لكنه يضع التقنية أمام مفارقة: لا تحصل على أول عميل قبل أن تثبت نجاحها، ولا تستطيع إثبات نجاحها التشغيلي من دون جهة تمنحها فرصة الاختبار. هنا قد تتعطل قيمة اقتصادية، حتى لو توافرت الفكرة والتمويل والحماية.
في السعودية، يكتسب السؤال توقيتًا مهمًا. فقد نُشر نظام المنافسات والمشتريات الحكومية الجديد في «أم القرى» يوم 4 سبتمبر 2026، ونصت مادته الثامنة والتسعون على إعداد لائحة لدعم البحث والتطوير والابتكار تشمل أحكام الطرح والتعاقد لهذا الغرض. وحدد بدء العمل بالنظام بعد 120 يومًا من نشره.
إنها فرصة لصياغة انتقال عملي من تمويل الابتكار إلى شراء خدمات تطويره واختباره، ثم اقتناء ما يثبت جدواه، ضمن ضوابط المنافسة وحماية المال العام.
توضح البيانات حجم الرهان؛ إذ بلغ الإنفاق على البحث والتطوير في المملكة 29.48 مليار ريال خلال 2024، بزيادة 30.4% على العام السابق، بحسب الهيئة العامة للإحصاء.
هذه أرقام مهمة للجهد البحثي، لكنها لا تخبرنا وحدها بما وصل إلى الاستخدام التجاري، ولا يصح الاستدلال بها على نجاحه أو تعثره. ما تستدعيه هو تتبع رحلة الأبحاث الموجّهة إلى التطبيق، ومعرفة ما يساعدها على الوصول إلى المستفيد.
لا يبدأ هذا النقاش من فراغ؛ فإطار مناطق الابتكار، الذي أطلقته هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار في فبراير 2026، يضع تسريع نقل التقنية ضمن مرتكزاته.
السؤال الذي يستحق البناء عليه: كيف تتصل هذه الجهود بجهة لديها احتياج فعلي وميزانية للتعاقد، بحيث لا يبقى نقل التقنية مهمةً يؤديها الباحث ومكتب الجامعة وحدهما؟
ويلزم هنا ضبط معنى النجاح. فالبراءة تحمي حقوق صاحب الاختراع، لكنها لا تغني عن إثبات جدواه التجارية.
كذلك لا ينبغي إخضاع البحث الأساسي لاختبار البيع السريع؛ فغاياته وآجاله مختلفة.
حديثنا عن حلول تتجه إلى التطبيق وتحتاج إلى اختبار منضبط يميّز الوعد التقني من القيمة القابلة للتحقق، لا عن إلزام كل عالم بأن يصبح تاجرًا.
في تقديري، تكمن إحدى العقد في توزيع كلفة التعلم. الجهة التي تختبر أولًا قد تتحمل تكاليف تهيئة الموقع والتكامل والتدريب ومخاطر التعثر، بينما يستفيد المشترون اللاحقون من الأدلة التي أنتجتها. عندئذ قد يكون الانتظار مفهومًا لكل مشترٍ، لكنه يؤخر السوق بأكملها. من هنا ينبغي أن يشمل تصميم دعم الابتكار الطرف الذي سيجرّب الحل، لا الطرف الذي يطوّره فقط.
وتقدم المفوضية الأوروبية تمييزًا مفيدًا: «المشتريات قبل التجارية» تشتري خدمات البحث والتطوير من موردين متنافسين، عبر مراحل لتصميم الحلول وبناء النماذج واختبارها، ولا تشمل الإنتاج التجاري واسع النطاق. أما شراء الحلول الابتكارية فيخدم تبني منتجات أقرب إلى السوق وتوسيع استخدامها. أي إن شراء المعرفة اللازمة للتحقق من الحل يختلف عن شراء المنتج بعد نضجه؛ والخلط بينهما قد يحمل التجربة المبكرة شروط منتج مكتمل.
أقترح أن يُترجم هذا المنطق، ضمن الترتيبات الوطنية، إلى مسار محدود لـ«العميل الأول»، يبدأ بتحديات تشغيلية في المياه والطاقة والزراعة.
لا يحتاج ذلك بالضرورة إلى مؤسسة جديدة؛ يحتاج إلى جهة صاحبة مشكلة، وتمويل محدد، وموقع اختبار، ومسؤول يملك صلاحية قرار التبني. ويُعلن التحدي بوصفه نتيجة مطلوبة: خفض الهدر أو تقليل كلفة التشغيل، مع حفظ الجودة والسلامة، بدل تفصيل الطلب على جهاز بعينه.
وتُدفع مستحقات التطوير والاختبار وفق مراحل ومخرجات محددة، مع تقييم مستقل ومقارنة بالحل المستخدم فعلًا. فلا يكفي أن يعمل النموذج؛ يجب أن نعرف مقدار التحسن، وكلفة الصيانة، ومتطلبات التشغيل، وما إذا كان الوفر يستمر بعد انتهاء التجربة. ويكون التوسع قرارًا لاحقًا يستند إلى النتائج والجدوى والمنافسة، لا مكافأة تلقائية لمجرد المشاركة.
قبل بدء التجربة، ينبغي تحديد ما سيحدث إن نجحت:
من يقيّم؟ ومن يتخذ قرار الشراء؟ وما مساره ومصدر تمويله المحتمل؟
هذه ليست ضمانة لترسية لاحقة، وإنما حماية من تجربة تنتهي بتقرير إعجاب ثم تعود إلى نقطة الصفر. لا يكفي أن نشتري إثبات الجدوى، ثم نترك قرار الاستفادة منه بلا صاحب.
أما حماية المال العام فتقتضي سقفًا للخسارة المقبولة، وشروطًا معلنة لإيقاف التجربة، وإفصاحًا عن تعارض المصالح.
ومن المهم التمييز في التقييم بين نتيجة تقنية سلبية ظهرت رغم الالتزام بمنهج سليم، وبين إهمال أو تضليل. فالاختبار الجاد قد يثبت عدم صلاحية الحل، وهذه معرفة تستحق تكلفتها إذا منعت إنفاقًا أكبر؛ لكنها ليست ذريعة لإدامة مشروع ثبت تعثره.
أقترح أن تخرج كل تجربة بملف أداء موثق يوضح ظروف الاختبار وحدوده ونتائجه، وتُنظم إمكانية الاستفادة منه لدى مشترين آخرين، مع حماية الأسرار والبيانات.
ويجب أن تحسم العقود حقوق الملكية والاستخدام والترخيص بما يصون المصلحة العامة ويتيح تطوير التقنية وتسويقها لاحقًا.
هكذا تساعد التجربة في بناء الثقة خارج الجهة الأولى، من دون أن تتحول إلى شهادة صلاحية مطلقة لكل استخدام.
يبقى المقياس الذي أقترح إضافته إلى تقارير هذه البرامج:
ماذا حدث بعد العقد الأول؟
كم تجربة انتقلت إلى شراء فعلي؟
كم منتجًا أو ترخيصًا وجد مشتريًا ثانيًا مستقلًا، خارج تمويل التجربة؟
وما التحسن المحقق مقارنة بالبدائل، خلال مدد تلائم طبيعة كل تقنية؟
هذه الأسئلة تساعد على التمييز بين صناعة سوق وصناعة سلسلة من التجارب المدعومة.
ليس مطلوبًا أن تشتري الدولة كل اختراع سعودي، ولا أن تحمي منتجًا ضعيفًا من المنافسة.
المطلوب أن تتيح للحلول الواعدة اختبارًا عادلًا، وأن تجعل نجاحها قابلًا للتحول إلى تعاقد، وفشلها قابلًا للتعلم والتوقف.
فالعقد الأول يفتح الباب، لكن القيمة تظهر في قدرة التقنية على كسب من يأتي بعده.
عندها يصبح السؤال الأجدى: كم مشتريًا اختار هذا الحل لأنه يحتاجه، لا لأن برنامجًا دفعه إلى تجربته؟