شامي يحيى السلامي

ما أكثر الذين يعرفون عنك، وما أقل الذين يعرفونك؛ فالمعرفة قد تقف عند حدود الظاهر، أما الفهم فيتجاوز الوجه إلى ما وراءه، والقول إلى باعثه، والصمت إلى أسبابه.

ليس الفهم أن يسمعك الإنسان، وإنما أن يسمع المعنى الذي عجز لسانك عن حمله؛ فربما تكلمت كثيرًا ولم تقل شيئًا، وربما سكتَّ طويلًا وكان صمتك أبلغ من الكلام.

أشد ما يؤلم الإنسان ألا يُجهل، بل أن يُعرف على غير حقيقته؛ فالجهل فراغ، أما سوء الفهم فصورة مشوهة تُنسب إليك ثم تُحاكم بها.

لا نخاف أن يرانا الناس كما نحن، بقدر ما نخاف أن يروا جزءًا منا، ثم يجعلوه كلنا؛ فالإنسان أوسع من عثرته، وأعمق من لحظته، وأبعد من الانطباع الأول عنه.

حين تجد من يفهمك، يحدث في داخلك شيء لا تراه العين: تخف حراسة القلب، ويهدأ ذلك الرقيب الذي يزن كل كلمة قبل أن تخرج، ويبدأ الإنسان في الكلام دون أن يخشى محاكمة ما يقول.

ليس أعظم ما في الفهم أن يعرف الآخر ما تخفيه، بل أن يعرفه فلا يستعمله ضدك؛ المعرفة التي تُستغل أذى، أما المعرفة التي تُصان فبداية أمان.

الأمان ليس أن تجد إنسانًا لا يخطئ في حقك، فذلك ما لا يملكه البشر؛ وإنما أن تجد إنسانًا لا يحوّل خطأك إلى سلاح، ولا ضعفك إلى حجة، ولا سرك إلى ثمنٍ تدفعه كلما اختلفتما.

أن تكون آمنًا مع أحدهم، معناه أن تستطيع أن تقول: «أنا خائف»، دون خشية أن تصبح مخاوفك قيودًا في يده؛ وأن تقول:

«أنا ضعيف»، دون أن تتحول هشاشتك إلى بابٍ لإهانتك.

أجمل العلاقات ليست تلك التي تخلو من الاختلاف، إنما تلك التي لا تجعل الاختلاف تهديدًا للمحبة؛ ففي العلاقات الناضجة يمكن أن تختلف القلوب في الرأي، دون أن تختلف في الرحمة.

قد تعرف الإنسان معرفةً دقيقة، ولا تمنحه الأمان؛ لأن الأمان لا تصنعه كثرة التفاصيل، تصنعه الأخلاق التي تحكم استعمال تلك التفاصيل.

هناك من يعرف موضع ألمك، فإذا غضب منك ضغط عليه؛ وهناك من يعرفه، فإذا غضب منك ابتعد عنه؛ الأول امتلك معرفتك، والثاني احترمها.

ليس كل من اقترب منك صار قريبًا ؛ قد تكون المسافة بين جسدين ذراعًا، وبين قلبين عمرًا كاملًا. القرب الحقيقي أن تنخفض في حضرة الآخر حاجتك إلى الاحتياط.

حين يأمنك الإنسان، لا يعود مضطرًا إلى تقديم أفضل نسخة من نفسه؛ يكفيه أن يقدم نسخته الحقيقية، بما فيها من نقص وتردد وخوف، ثم يثق أن إنسانيته لن تكون سببًا لفقدان مكانته.

الأمان ، أن تخلع درعك دون أن تخشى أن يطعنك من تركته عند قدميك؛ لهذا كان بعض الناس راحة لا لأنهم يزيلون متاعب الحياة، بل لأنهم لا يضيفون إلى روحك متاعب جديدة.

ما أعمق الفرق بين من يعرف ضعفك ومن يحفظه؛ الأول يستطيع أن يصفه، أما الآخر فيستطيع أن يحميك منه، وهذه هي المسافة التي تفصل المعرفة عن الرحمة.

قد يكون أصدق الحب ألا تقول للإنسان: «لن أؤذيك»، وإنما أن تجعله، من خلال أفعالك، يطمئن إلى أنك لن تستخدم يومًا ما عرفته عنه لتؤذيه.

الفهم يفتح باب القلب، لكن الأمان هو الذي يجعل القلب يترك الباب مفتوحًا.

فحين أفهمك، أعرف لماذا صمتَّ؛ وحين آمنك، لا أجبرك على الكلام. وحين أفهم خوفك، لا أستهين به؛ وحين آمنك، لا أستعمله عليك.

الأمان أعمق من أن يقول لك أحدهم: «أنا أفهمك»؛ الأمان أن تشعر، دون أن يقول شيئًا: «يمكنك أن تكون كما أنت، فلن تعاقب هنا على حقيقتك».

وما أندر الإنسان الذي تستطيع أن تسقط أمامه عن هيئة القوي، فلا يسقط من عينه قدرك؛ لأن بعض القلوب لا تحبك لقوتك، وإنما تحبك رغم ضعفك، بل ربما أحبّت في ضعفك صدق الإنسان الذي أخفته القوة طويلًا.

أرقى صور الطمأنينة أن تجد شخصًا لا تحتاج أمامه إلى تفسير نفسك باستمرار؛ يكفيه أن يعرف أنك إنسان، وأن الإنسان قد يتعب، ويتردد، ويخطئ، ثم يظل جديرًا بأن يُفهم.

هناك لحظة تبلغ فيها العلاقة غايتها: حين تتوقف عن السؤال «كيف يراني؟» وتبدأ في الشعور «أنا آمن معه». عندها لا يعود حضور الآخر امتحانًا لصورتك، بل راحة لحقيقتك.

أعمق ما يمكن أن تهبه روح لروح، ألا تجعلها تخجل من حقيقتها؛ فليس كل إنسان يحتاج إلى من يمدحه، وإنما يحتاج أحيانًا إلى من يراه كاملًا في نقصه، وكريمًا في ضعفه، وجديرًا بالمحبة دون أن يتصنع الكمال.

الإنسان لا يبحث، في آخر الأمر، عمن يقرأه كله؛ بل عمن إذا قرأ بعضه، لم يُسئ تفسير الباقي.

فالفهم يقول: «لقد رأيتك».

والأمان يقول: «وقد رأيتك، فلم أخف منك، ولم أخف عليك مني».

وربما كانت أجمل الطمأنينة أن تجد قلبًا لا يطلب منك أن تكون قويًا كي يبقى، ولا كاملًا كي يحب، ولا واضحًا في كل وقت كي يفهم؛ قلبًا يكفيه منك أن تكون صادقًا.

وعندما تبلغ المحبة هذا المقام، لا يصبح الإنسان مجرد شخص نرتاح إليه، بل مكانًا نرتاح فيه؛ وهذه هي المسافة كلها بين أن تجد من تحبه، وأن تجد من تأمن معه.

فليس أعظم ما في أن يفهمك أحد؛ أن يمنحك فهمه شجاعة أن تكشف نفسك، ثم يمنحك أمانه طمأنينة ألا تندم على أنك انكشفت.