في قراءات ووقفات بحثا عن الوعي صدر كتاب "حكاية سعودية" للأستاذ إياد أمين مدني، وصفحات الكتاب في جوهرها حوار مع الذات عن معنى أن يكون المرء سعوديا، وأن يكون أيضًا عربيًا ومسلمًا؛ وتطرح أسئلة حول هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؛ وما الحداثة حقا؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؛ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوما متقادما؟ وهذا الكتاب، رغم عنوانه عن المملكة العربية السعودية، فإنما هو عن درب إنسان من تلك الأرض التي كثيرًا ما وضعت في قوالب جاهزة وصنفت، وقسمت إلى ثنائيات. إنه ببساطة حكاية ذات.
فالوعي كما تقول مقدمة الكتاب ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم، ونحن، كبشر، نخوض رحلة في سعي دائم نحو حياة كريمة، ونحاول أن نلبي حاجاتنا، ونبلغ طموحاتنا، سواء كانت تلك الطموحات واضحة المعالم أو ضبابية الحدود. نعيش لحظات من الشك، ونتلمس في زوايا الحياة أجوبة تطمئن القلب وتهدي العقل. نبحث باستمرار عن يقين يمنحنا سكينة داخلية، عن إيمان بأن لحياتنا معنى، وأن أثرنا سيبقى بعد غيابنا، وأن هناك من سيقدره، يوما ما.
ما يسرده هذا النص ليس محاولة تحليلية شاملة، ولا ادعاء بإحاطة تامة، بل هو جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي ومجاريه؛ رحلة استكشاف لطبقات الهوية والأسئلة الكبرى التي تسكن الأعماق: أين يستقر وعي الأم؟ وأين يُبنى شعورها بالذات؟ هل نجد ذلك في الأدب، أم في الشعر، أم في الخطاب السياسي، أم في التاريخ، وإن لم يكن هناك، فأين إذن؟
والكتاب في أصله صادر باللغة الإنجليزية بعنوان A SAUDI TALE, Reading and encounters in search for consciousness وترجمه الدكتور وليد بليهش العمري الذي ذكر أن المؤلف يمثل جيلًا من السعوديين عاشوا تجربة استثنائية في مسيرة الوطن والمنطقة. هو جيل تفتحت أعينه على تحولات كبرى: من بواكير التأسيس إلى بدايات الدولة الحديثة، ومن طموحات البناء إلى أسئلة الهوية والوعي والوجود في عالم مضطرب. غير أن ما يميز المؤلف عن كثير من أقرانه هو أنه لم يكتف بأن يكون شاهدا على تلك التحولات، بل ارتقى بوعيه إلى مستوى جعل منه فاعلا ومحللا، قادرًا على مقاربة أسئلة الوعي، والغوص في أعماق التجربة الإنسانية، وربط المحلي بالكوني، والذاتي بالجماعي. لقد منحته نشأته ومسار حياته أدوات فكرية جعلته يتعامل مع التجربة في أفق أوسع من حدود الزمان والمكان، ومن هنا جاء نصه مليئا بالتأملات الكبرى، ومرتبطا في الوقت ذاته بأرضيته الواقعية.
يتكون الكتاب من مقدمة وخمسة أقسام؛ تضمن القسم الأول:مكونات وأطر، فجر الوعي، منصة صحفية، بزوغ نظام عالمي جديد،الرفض والوجل والبحث عن طمأنينة. واحتوى القسم الثاني على: منظومة مجتمعية مثلى، أركيولوجيا الإرادة العامة، الزواج بين ثلاثة،الإنسان المتفرد، فيما تضمن القسم الثالث: الجنوب العالمي، في أثر الأصالة، بحثًا عن مسار، أن تكون أسود البشرة، أما القسم الرابع:فاحتوى على الموضوعات التالية: الآفاق اللصيقة، بحثا عن رؤية إسلامية للعالم، معضلة العرب، أمن سردية سعودية؟ وكان القسم الخامس هو الحصيلة.