محمد الزموري

ثمة شيء غريب في الأشياء العابرة يجعلها أكثر جمالاً. ربما لأننا، حين نعرف أن لحظة ما لن تدوم، نكف عن النظر إليها بعين العابر، ونمنحها انتباهناً. إن معرفة النهاية لا تنتقص من قيمة اللحظة، بل على العكس، تضاعفها؛ تجعلنا أكثر حضوراً فيها، وأكثر قدرة على تذوق تفاصيلها قبل أن تنسحب من بين أيدينا. كأن الفناء نفسه يوقظ فينا حاسة الجمال.

في اليابان، تتجسد هذه الفكرة بوضوح في زهرة الكرز، أو ساكورا. خلال فترة نارا، بين عامي (710- 794 ميلادي)، كانت أزهار الكرز مرتبطة بمواسم الزراعة وبالتنبؤ بالمحاصيل؛ فالتفتح المبكر كان يُستبشر به، بينما كان تساقط الأزهار سريعاً يثير القلق من الجفاف أو من أزمنة مضطربة. لكن الزهرة التي كانت ذات يوم علامة على خصوبة الأرض أصبحت اليوم واحدة من أكثر الرموز اليابانية تعبيراً عن الجمال.

في موسمها، يتوافد الناس إلى الحدائق لمشاهدة الأشجار وهي تغطي المكان ببياضها وورديتها، قبل أن تبدأ البتلات في السقوط. وتلك هي مفارقة الهانامي: أن نحتفل بجمال نعرف مسبقاً أنه لن يبقى. لا نذهب إلى الزهرة لأنها خالدة، بل لأننا نعرف أنها سترحل.

وهنا يكمن سر الجمال الزائل. إنه الجمال الذي يشبه قوس قزح لا يمكن الإمساك به، أو موجة هائلة ترتفع ثم تنكسر، أو ندى الفجر قبل أن تمتصه الشمس، أو الغسق وهو يعبر السماء للحظات، أو الكسوف حين يحجب الضوء ثم يعيده، أو زهرة قُطفت من ساقها لتعيش زمناً أقصر مما كان يمكن لها أن تعيشه.

كلها لحظات لا تستمد قيمتها من دوامها، بل من هشاشتها. حتى الأفعال اليومية، التي تبدو للوهلة الأولى عادية ومتكررة، يمكن أن تتحول إلى طقوس جمالية حين نمنحها ما تستحقه من انتباه. يكفي أن نتأمل طقس الشاي الياباني. فإعداد كوب من الشاي ليس مجرد إعداد لمشروب ساخن؛ إنه احتفاء بالضيف، واحترام للمكان، وعناية بكل أداة، ونظافة دقيقة، وحلوى تقدم قبل الشاي لتخفف مرارة العشبة، وانحناءة تحمل في بساطتها معنى الامتنان.

اليقين بأن شيئاً ما سينتهي، يدفعنا إلى أن نعيشه بحدة أكبر. وهنا تكمن قدرة اللحظة العابرة على أن تصبح أبدية.

التقط والتر بنيامين هذه المفارقة حين ربط بين الطبيعة العابرة وبين ما يمكن أن يكتسب صفة الأبدية من خلال فن التذكر. فالسعادة، في جوهرها، ليست امتلاك اللحظة والاحتفاظ بها، وإنما المرور بها بكامل الوعي، بحيث يتحول ما كان عابراً في الزمن إلى شيء دائم في الذاكرة.

ولعل أبيات روبرت فروست في قصيدته «لا شيء ذهبيا يمكن أن يبقى» تختصر هذه الفكرة ببساطة موجعة: كل ما هو أخضر يبدو ذهبياً في بدايته، لكن هذا الذهب لا يدوم؛ الورقة تصبح زهرة، والزهرة لا تلبث أن تذبل، والفجر ينسحب أمام النهار، وكل ما يلمع يفقد لمعانه.

إن جمال الأشياء يتكثف أحياناً لأنها لا تصلح للتملك. فما لا يمكن الاحتفاظ به يدفعنا إلى الاستمتاع به. وما لا يمكن تحويله إلى ملكية يبقى خارج منطق المنفعة والحساب. وربما لهذا كان مونتين محقاً حين رأى أن السعادة لا تأتي من التملك بقدر ما تأتي من الاستمتاع. نحن لا نملك الغروب، ولا الموسيقى، ولا الضحكة، ولا الحب، ولا اللحظة التي نشعر فيها بأن العالم، لسبب غامض، أصبح أكثر اتساعاً.

نحن نمر بها فقط. وهذا المرور هو الذي يمنحها قيمتها. هناك مفهوم ياباني يعبّر عن هذا الوعي بجمال الأشياء وهي تتلاشى: «مونو نو أوا ري»، ذلك الإحساس الرقيق الذي ينشأ حين ندرك جمال الشيء في اللحظة نفسها التي ندرك فيها فناءه. إنه ليس حزناً خالصاً، ولا فرحاً خالصاً، بل مزيج غريب من الدهشة والأسى والامتنان. أن تحب الشيء، وفي اللحظة ذاتها، تعرف أنك ستفقده.

إنه اليوم الأخير من رحلة طويلة. الصفحات الأخيرة من كتاب تمنيت ألا ينتهي. الحفل الذي تدرك، وأنت تسمع موسيقاه، أن الأغنية الأخيرة ستأتي بعد قليل. مسرحية يسدل ستارها. ابتسامة تعرف أنها لن تتكرر بالطريقة نفسها. لقاء تعلم منذ بدايته أنه يحمل في داخله موعد الفراق.

في كل هذه اللحظات، لا يكون الحزن نقيض الجمال، بل أحد شروطه. وربما يحدث الأمر نفسه مع الحياة. إنها فريدة لأنها محدودة. ولو كانت بلا نهاية، لفقدت شيئاً أساسياً من قدرتها على إدهاشنا. إن الموت، على قسوته، هو الذي يمنح الحياة إحساسها بالعجلة، ويجعل للوقت وزناً، وللحظة معنى، وللحب ضرورة. نحن لا نعرف أي لحظة ستكون الأخيرة، ولذلك تبدو كل لحظة، في احتمالها الخفي، جديرة بالانتباه.

من هنا تأتي حكمة كاربي دييم: لا تؤجل الحياة إلى وقت آخر، لأن الوقت نفسه لا يَعِدنا بشيء. لا لأن علينا أن نعيش في لهاث دائم، وإنما لأن الحاضر هو الشيء الوحيد الذي نملكه فعلاً قبل أن يتحول هو الآخر إلى ذكرى.

ربما لهذا لا يكون الزائل أقل قيمة من الدائم، بل أكثر إلحاحاً. فأجمل ما في بعض الأشياء أنها لا تمنحنا فرصة ثانية لرؤيتها بالطريقة نفسها. نحن لا نحتفظ بالحياة؛ نحن نعبرها. وما يبقى منها ليس اللحظات ذاتها، بل أثرها فينا: صورة، كلمة، وجه، رائحة، يد أمسكت بنا ذات مساء، أو ضوء سقط على نافذة ثم اختفى.

ذلك هو الجمال الزائل: إن ما يغادرنا في الزمن قد يبقى في الذاكرة، وأن اللحظة التي لم تدم إلا ثواني قد تصبح، في أعماقنا، أطول من العمر كله. لذلك ربما لا يكون المطلوب أن نبحث عن الأشياء التي تدوم، بقدر ما ينبغي أن نتعلم كيف نرى الأشياء قبل أن ترحل.

فالحياة لا تصبح ثمينة لأنها أبدية، وإنما لأنها عابرة. وما يجعل اللحظة جديرة بأن تُعاش بكل امتلاء، هو بالضبط ذلك الهمس الخفي الذي يرافقها منذ بدايتها بأنها لن تبقى.