عبدالوهاب بدرخان

كأنها نفثة الروح، كأنها محاولة لبثّ الحياة مجدداً في جثة القانون الدولي، وفي نظام عالمي أفقدته دوله الكبرى حسّ العدالة منذ زمن. جائزة نوبل للسلام مُنحت هذه السنة للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، تلك المحامية التي دافعت في بداياتها المهنية عن نيلسون مانديلا ومعارضي نظام الفصل العنصري. وبعدما تحرّر وأصبح رئيساً للبلاد صار ملهمها، وهو مَن أوصى بانضمامها عام 1994 إلى المحكمة الجنائية الدولية لمجازر رواندا. ثم بدأت مسيرةً طويلة قادتها إلى مناصب حقوقية دولية عدّة، بينها قاضية في المحكمة الجنائية الدولية. وقبل عامين ترأست لجنة أممية مستقلّة للتحقيق في الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة، مستخلصةً في سبتمبر 2025 أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية منذ بداية الحرب، فاستبَقت قضاة محكمة العدل الدولية الذين قد تحول الضغوط السياسية دون تلفّظهم بحكم مماثل.

سبق لـ«لجنة جائزة نوبل» أن كرّمت شخصيات ومنظمات عملت في مجال السلام، فأصابت وأخطأت. ففي العام الماضي، مثلاً، نالت المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو الجائزة التي كان دونالد ترمب يتمنّاها ويتوقعها لنفسه، فأهدت إليه ميداليتها النوبلية الذهبية، لكنه خذلها غداة خطف الرئيس الفنزويلي وإنهاء حكمه، ولم يرشحها لأي دور، بل اعتبرها غير مؤهلة. وبعد فوزها بالجائزة اتصلت ببنيامين نتنياهو لتؤكّد دعمها لإسرائيل وعزمها على نقل سفارة بلادها إلى القدس متى وصلت إلى السلطة. ولم يكن نتنياهو مَن رشّحها للجائزة، وإنما رشّح ترمب. أرادت «لجنة نوبل»، باختيارها ماتشادو، مواكبة حملة الرئيس الأميركي على فنزويلا وتليين غضبه المتوقع، لكنها لم تنجح. هذه السنة انتقلت من استرضائه إلى تحدّيه.

بعد لحظات على اختيار نافي بيلاي انفجر الغضب الإسرائيلي، وراوح بين اتهامها بـ«شيطنة إسرائيل» و«شيطنة اليهود»، وبين القول إن دورها في «الترويج لاتهامات الإبادة الجماعية يكشف الكثير عن حقيقتها». والواقع أنها كشفت حقيقة إسرائيل. أما واشنطن فلم تعلّق على الجائزة بل فهمت مغزاها، وصوّبت مباشرة على الهدف: عقوبات جديدة على المحكمة الجنائية الدولية. يتصرّف ماركو روبيو دائماً كرأس حربة في العداء لهذه المحكمة. قال «إما أن تنهي تهديداتها أو ننهي وجودها». ذريعته أن المحكمة تدرس ملاحقة جنود أميركيين ارتكبوا انتهاكات في أفغانستان، لكن الأخطر أنها أصدرت مذكرة اعتقال بحق نتنياهو. والأخير رحّب فوراً بالعقوبات، وقال: «هذه ليست محكمة بل هيئة سياسية تشكّل تهديداً وجودياً للديموقراطيات الملتزمة بالقانون في أنحاء العالم»!.. فجأة يقفز التهديد «الوجودي»، لا للديموقراطيات وإنما لمجرمي حربٍ يعلمون أنهم ضُبطوا متلبسين، وإلا فلماذا هذه العزلة الدولية لإسرائيل؟

في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وصف ترمب هذه المحكمة بأنها «خارجة عن السيطرة» ودعا الدول كافةً إلى الانسحاب منها، لكن غالبية العالم ترى أن عملها غير كافٍ بعد في ملاحقة الدول «الخارجة عن القانون». وبدلاً من استجابة دعوة ترمب، جدّدت ثماني دول غربية تمسّكها بالمحكمة ودعم «استقلاليتها وحيادها ونزاهتها». وهكذا بدت «لجنة نوبل» على نقيض الرئيس الأمريكي، إذ قالت إن جائزتها «رسالة واضحة إلى الذين يمارسون ضغوطاً على مؤسسات القانون الدولي التي تتعرّض لهجمات»، وعزت اختيارها إلى «دور بيلاي المحوري في ضمان محاكمة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية». وأهدت بيلاي جائزتها إلى جميع الناجين من هذه الجرائم، محذّرة من أن الهجمات السياسية المتصاعدة على القانون الدولي وعلى الجنائية الدولية «تنذر بنظام تحدد فيه القوة، وليس القانون، معاناةً تستحق الاهتمام».

ثمة رمزية معنوية لـ «نوبل السلام» وليست لها فاعلية. عبّرت دائماً عن قيمٍ ظلّ النظام الغربي يدّعي احتكارها إلى أن ترك إبادة جماعية تدور في قطاع غزّة تحت سمعه وبصره، ولم يتحرّك لوقفها أو لمحاسبة مرتكبيها، والآن يقترب يمينه المتطرّف من السلطة ليهدد تلك القيم، مستلهماً ترمب الذي باشر تدميرها في أمريكا نفسها فيما هو يطالب بالجائزة، ولما خاب أمله في نيلها هاجمها واعتبر أنها «فقدت المصداقية إلى الأبد على يد حفنة من الأيديولوجيات المتطرفة». وليس واضحاً مَن يقصد بذلك طالما أنه يخاصم حلفاءه ويسعى إلى صداقة أقطاب عالم الدكتاتوريات الذي يناوئ الغرب وزعامته الأمريكية، وينشط بعيداً عن القانون الدولي ولا يدّعي احتراماً لحقوق الإنسان.

لماذا يغضب ترمب ونتنياهو؟ لأن استخدام القوة لم يضفِ على حروبهما أي شرعية دولية بل وضعتهما في خانة واحدة مع فلاديمير بوتين وأمثاله، وأدخلت العالم في أزمة سياسية واقتصادية عميقة. وهما غاضبان لأن دماء أطفال غزّة ونسائها تطاردهما في كل مكان- إلا في إسرائيل- بمعزل عن أي محكمة دولية، فـ«العدالة بطيئة ويبدو الأمر مستحيلاً دائماً الى أن يتحقق»، كما تردد بيلاي، نقلاً عن مانديلا. ترمب ونتنياهو يحاولان قمع القضاة في بلديهما ولا عجب في أن يكونا عدوَين لـ «ما يسمى القانون الدولي» وفقاً لعبارة روبيو (تموز/ يوليو الماضي).

* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»