أبها: الوطن

أعادت التطورات العسكرية المتسارعة على الحدود الإثيوبية الإريترية شبح الحرب بين البلدين إلى الواجهة، مع تصاعد الاتهامات المتبادلة بشأن التوغل العسكري داخل إقليم تيغراي، واتساع الخلاف حول الوصول إلى البحر الأحمر. وحدد محللون ومراقبون سياسيون تحدثوا إلى «الوطن» 3 سيناريوهات رئيسية لمستقبل الأزمة، تتراوح بين اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة، وتوظيف التصعيد الحدودي لفتح معركة إستراتيجية تستهدف ميناء عصب الإريتري، وصولا إلى احتواء التوتر عبر التهدئة والحلول الدبلوماسية. وتأتي هذه الاحتمالات في ظل تحركات عسكرية شمال إثيوبيا، وتبادل التحذيرات بين أديس أبابا وأسمرة، وسط مخاوف من انهيار التفاهمات التي أنهت عقودا من العداء بين البلدين.

تصعيد الحدود

دخلت الأزمة مرحلة أكثر خطورة بعدما وجهت إثيوبيا رسالة إلى مجلس الأمن الدولي، اتهمت فيها إريتريا بارتكاب عدوان على أراضيها ونشر قوات عسكرية داخل إقليم تيغراي، مشيرة إلى توغل بلغ عمقه نحو 60 كيلومترا.

وتزامنت الاتهامات مع تطورات ميدانية شملت تحركات للقوات الإثيوبية داخل تيغراي، وتقارير عن انسحاب وحدات إريترية من محيط مدينة أديغرات، وتعرض مواقع عسكرية لضربات بطائرات مسيرة.

وفي المقابل، رفضت أسمرة الاتهامات الإثيوبية، واعتبرتها محاولة لتهيئة الظروف السياسية والعسكرية لشن حرب جديدة، متهمة أديس أبابا بالسعي إلى فرض واقع جغرافي يخدم طموحاتها البحرية.

مواجهة مباشرة

يرى محللون ومراقبون سياسيون تحدثوا إلى «الوطن» أن السيناريو الأول يتمثل في تحول التوتر الحدودي إلى مواجهة عسكرية مباشرة، خصوصا إذا استمر وجود قوات إريترية داخل الأراضي الإثيوبية، أو توسعت العمليات الجوية والبرية بين الطرفين.

وبحسب هذه القراءة، قد تكون التحركات الإريترية جزءا من إستراتيجية دفاعية استباقية تهدف إلى نقل أي مواجهة محتملة إلى العمق الإثيوبي، بدلا من انتظار اندلاعها داخل الأراضي الإريترية.

ويحذر مراقبون من أن اتساع الاشتباكات قد يعيد إنتاج الحرب الحدودية التي شهدها البلدان بين عامي 1998 و2000، وما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية كبيرة.

صراع الموانئ

يتمثل السيناريو الثاني في توظيف التصعيد العسكري لتحقيق أهداف إستراتيجية تتجاوز الخلاف الحدودي، وفي مقدمتها مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، خصوصا ميناء عصب الإريتري. ويرى مراقبون سياسيون أن أديس أبابا قد تستخدم الاتهامات المتعلقة بالتوغل الإريتري لتبرير تحركات عسكرية أوسع، بينما تنظر أسمرة إلى المطالب الإثيوبية المتعلقة بالبحر الأحمر باعتبارها تهديدا مباشرا لسيادتها.

وتزداد حساسية هذا السيناريو مع استمرار الضغوط الداخلية التي تواجه الحكومة الإثيوبية، ووجود جماعات مسلحة معارضة، ما يفتح الباب أمام احتمال توظيف التصعيد الخارجي لتحويل الاهتمام عن الأزمات الداخلية.

احتواء التصعيد

أما السيناريو الثالث، فيقوم على تجنب الحرب الشاملة والعودة إلى المسار الدبلوماسي، مدفوعا بإدراك الطرفين للكلفة العسكرية والاقتصادية لأي مواجهة جديدة.

ويعتقد محللون أن تجربة الحرب السابقة، إلى جانب التداعيات الإنسانية والعسكرية لحرب تيغراي، تمثل عوامل ردع قد تدفع القيادتين إلى إعادة حساباتهما قبل اتخاذ قرار المواجهة.

وتبقى احتمالات التهدئة مرتبطة بوقف التحركات العسكرية المثيرة للتوتر، ومعالجة الاتهامات الحدودية، وإعادة بناء الثقة السياسية بين البلدين.

وفي ظل هذه السيناريوهات، تبدو الأزمة الإثيوبية الإريترية أمام مفترق إستراتيجي، تتداخل فيه حسابات الأمن القومي مع طموحات الوصول إلى البحر الأحمر، بينما يظل خطر الحرب قائما ما دامت التحركات العسكرية تتقدم على الحلول السياسية.