نايف راشد الرحيلي

في الأول من سبتمبر من كل عام، تستعيد اليابان ذكرى واحدة من أكثر الكوارث دماراً في تاريخها الحديث. ففي عام 1923 ضرب زلزال كانتو منطقة طوكيو ويوكوهاما، وتسبب الزلزال والحرائق التي تلته في وفاة أكثر من مئة ألف شخص. كانت تلك الكارثة نقطة فاصلة في تاريخ اليابان، ليس لأنها كانت الأعنف فقط، وإنما لأنها كشفت حقيقة أن الدولة لا تستطيع أن تمنع الزلزال، لكنها تستطيع أن تستعد له.

بعد نحو قرن، أصبحت اليابان واحدة من أكثر دول العالم خبرة في التعامل مع مخاطر الزلازل. والمفارقة أن اليابانيين لا يعيشون في بلد أقل تعرضاً للزلازل، بل في بلد يقع على واحدة من أكثر المناطق نشاطاً زلزالياً في العالم. ومع ذلك، لم يكن الحل في انتظار أن تتوقف الأرض عن الاهتزاز، وإنما في تغيير طريقة التعامل مع الخطر. فبدلاً من أن يبدأ التفكير بعد وقوع الزلزال، يبدأ قبل ذلك بسنوات.

يبدأ من المبنى الذي يعيش فيه الإنسان، ومن الطريق الذي يسلكه، ومن المدرسة التي يذهب إليها أبناؤه، ومن نظام الإنذار الذي يصل إلى هاتفه، ومن التدريبات التي تعلمه ماذا يفعل عندما تبدأ الأرض بالاهتزاز. وهنا تكمن الفكرة الأساسية في إدارة المخاطر.

إدارة المخاطر ليست مصطلحاً معقداً كما قد يبدو. معناها ببساطة أن نعرف الخطر قبل وقوعه، وأن نفهم أين يمكن أن يحدث، ومن يمكن أن يتضرر بسببه، ثم نتخذ الإجراءات الممكنة لتقليل آثاره. فالزلزال خطر طبيعي، لكن انهيار مبنى فوق سكانه يمثل خسارة يمكن في كثير من الأحيان تقليل احتمال حدوثها من خلال التصميم الهندسي المناسب والالتزام بمعايير البناء. والأمطار الغزيرة وما ينتج عنها من سيول عارمة ظاهرة طبيعية، لكن غرق حي سكني أو انقطاع طريق رئيسي لساعات طويلة قد يكون نتيجة ضعف في التخطيط أو البنية التحتية أو الاستعداد. وذلك يعني أن ليس كل خطر طبيعي يتحول بالضرورة إلى كارثة.

الكارثة تحدث عندما يتقاطع الخطر مع مجتمع أو منطقة غير مستعدة بما يكفي لمواجهته. ولهذا أصبحت اليابان تنظر إلى الزلازل باعتبارها جزءاً من واقعها، وليس حدثاً استثنائياً يمكن تجاهله حتى يقع. وقد انعكس ذلك على كل شيء تقريباً؛ من اشتراطات البناء إلى أنظمة الإنذار، ومن خطط الإخلاء إلى التدريبات المدرسية، ومن تصميم البنية التحتية إلى سلوك الناس في الشوارع والمنازل. وفي كثير من المدارس اليابانية، يتعلم الأطفال منذ الصغر كيف يتصرفون أثناء الزلزال. لا ينتظرون وصول رجال الإنقاذ حتى يعرفوا ماذا يفعلون، ولا يتعاملون مع التحذيرات باعتبارها أمراً بعيداً عن حياتهم اليومية. إنهم يتدربون مسبقاً، لأن الدقائق الأولى من الكارثة قد تكون هي الأكثر أهمية.

وهذا هو جوهر إدارة المخاطر، أن نتصرف قبل أن نضطر إلى التصرف. وقد أثبتت التجارب العالمية أن الاستثمار في الوقاية والاستعداد غالباً ما يكون أقل تكلفة من دفع ثمن الكارثة بعد وقوعها.

في الأخطار الطبيعية وما ينتج عنها من مخاطر تحديداً، يلعب المواطن دور مهم للغاية. قد تمتلك الدولة أفضل أنظمة الإنذار في العالم، لكن النظام لن ينقذ شخصاً يتجاهل التحذير. وقد تكون فرق الإنقاذ على أعلى مستوى من الجاهزية، لكن وصولها إلى شخص قرر المخاطرة بعبور سيل جارف قد يكون أصعب بكثير من إنقاذ شخص التزم بالتعليمات وانتقل إلى مكان آمن.

وهنا نصل إلى جانب مهم، غالباً ما يتم تجاهله في الحديث عن إدارة المخاطر، وهو ثقافة المجتمع تجاه الخطر. المجتمع الذي ينظر إلى التحذير باعتباره مبالغة، أو يعتقد أن الكارثة تحدث للآخرين فقط، أو يتعامل مع مشاهدة الخطر باعتبارها نوع من المغامرة، سيكون أكثر عرضة للخسائر، مهما كانت إمكانات الدولة. أما المجتمع الذي يعرف أن التحذير صدر لسبب، وأن التعليمات ليست مجرد نصائح، وأن الوقاية أفضل من الندم، فإنه يضيف طبقة مهمة من الحماية إلى منظومة إدارة المخاطر.

إدارة المخاطر أن نستعد اليوم لمشكلة قد تحدث غداً، حتى لا ندفع غداً ثمناً كان يمكن تقليله اليوم. فالزلزال سيهتز، والأمطار الغزيرة ستهطل، والسيل سيجري، والعاصفة ستهب، لكن حجم الخسائر لا تحدده الأخطار وحدها؛ فالاستعداد، والتخطيط، والوعي، وجودة البنية التحتية، وسرعة الإنذار، وقدرة المجتمع على الاستجابة، كلها عوامل يمكن أن تصنع الفارق بين خطر طبيعي يمر بسلام، وكارثة تترك وراءها خسائر يصعب تعويضها. ولهذا فإن السؤال قبل أي كارثة ليس ماذا سنفعل عندما تقع؟ بل ينبغي أن يكون ماذا فعلنا قبل أن تقع؟