أبها: الوطن

في تعز لا تقاس المسافات بالكيلومترات وحدها، بل بعدد الحواجز والمرتفعات العسكرية والطرق التي يمكن عبورها دون أن تتحول الرحلة إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر. هنا، حيث تتداخل الأحياء السكنية مع خطوط المواجهة، تصبح السيطرة على جبل أو طريق حدثا يتجاوز الحسابات العسكرية إلى تفاصيل الحياة اليومية. ومع اتساع العمليات العسكرية في جنوب المحافظة وغربها، ضمن التحركات المرتبطة بعملية «فجر اليمن»، تعود تعز إلى واجهة الحرب اليمنية باعتبارها واحدة من أكثر المدن ارتباطا بمصير الطرق والممرات الاستراتيجية. فالمعارك الدائرة حول المرتفعات لا تحدد مواقع القوات المتقدمة والمتراجعة فحسب، وإنما ترسم أيضا مستقبل حركة السكان والإمدادات والوصول إلى الخدمات الأساسية، في مدينة أنهكتها سنوات الحرب وتنتظر تحولا يعيد وصل أحيائها ومناطقها المحيطة. مدينة محاصرة

منذ سنوات، تحولت تعز إلى واحدة من أبرز صور المعاناة المدنية في اليمن، بعدما فرضت المواجهات المسلحة واقعا جغرافيا معقدا، قسمت فيه خطوط التماس المدينة ومحيطها إلى مناطق يصعب الانتقال بينها.

وتكشف طبيعة الحياة في تعز عن ارتباط وثيق بين الجغرافيا العسكرية والاقتصاد المحلي؛ فالطريق الذي يغلق أمام المركبات لا يعطل حركة المسافرين وحدهم، بل يرفع تكلفة نقل الغذاء والوقود والأدوية، ويؤثر في قدرة المرضى على الوصول إلى المستشفيات، ويضاعف الأعباء على الأسر التي تعتمد على التنقل بين المدينة والريف.

ومع تجدد المعارك في جنوب تعز، تتزايد أهمية الطرق المؤدية إلى التربة والشمايتين وسامع، باعتبارها شرايين تربط المدينة بالمناطق الجنوبية، وتوفر مسارات حيوية لحركة السكان والبضائع.

معركة المرتفعات

تختلف معارك تعز عن كثير من المواجهات في المناطق الصحراوية المفتوحة؛ إذ تتحكم المرتفعات الجبلية في مسارات الحركة ومجالات الرصد والسيطرة النارية، ما يجعل التقدم بضعة كيلومترات أحيانا أكثر تأثيرا من السيطرة على مساحات واسعة في مناطق أخرى.

وفي محيط سامع والصلو والشمايتين، تكتسب المواقع الجبلية أهمية مضاعفة، لأنها تشرف على طرق فرعية وممرات تربط التجمعات السكانية، ويمكن استخدامها في مراقبة تحركات القوات والإمدادات.

وتشير التطورات العسكرية المعلنة خلال الأيام الماضية إلى اشتداد المواجهات على عدد من هذه المحاور، مع تحركات للقوات الحكومية لاستعادة مواقع استراتيجية، في مقابل محاولات حوثية لعرقلة التقدم واستعادة بعض المواقع.

ولا تكمن أهمية هذه المعارك في المرتفعات نفسها، بل في قدرتها على تغيير ميزان السيطرة على الطرق المحيطة، وفتح المجال أمام عمليات عسكرية أوسع أو الحد من قدرة الحوثيين على المناورة ونقل التعزيزات.

الطريق الجنوبي

يمثل الطريق الرابط بين مدينة تعز والتربة والمناطق الجنوبية أحد أبرز مفاتيح المشهد العسكري والإنساني، نظرا إلى دوره في حركة السكان والإمدادات التجارية والخدمات.

وعندما تقترب المواجهات من هذا المحور، فإن تداعياتها تمتد إلى الأسواق والمستشفيات وحركة النقل، إذ تصبح سلامة الطريق واستمرار تشغيله عاملين حاسمين في استقرار الحياة اليومية.

وتبرز هنا المفارقة التي تعيشها تعز؛ فكل تقدم عسكري قد يفتح أملا باستعادة طريق أو إزالة نقطة تهديد، لكنه قد يترافق خلال المعارك مع قيود مؤقتة على الحركة ومخاطر إضافية على السكان القريبين من مناطق الاشتباك. ولهذا فإن القيمة الفعلية لأي مكسب ميداني لا تتوقف عند إعلان السيطرة على موقع، وإنما تتحدد بمدى القدرة على تأمين الطرق وإعادة استخدامها بصورة مستقرة، بما يسمح بعودة الأنشطة الاقتصادية والخدمات الأساسية. كلفة الحرب

بعيدا عن الخرائط العسكرية، تتجسد الحرب في تعز في تفاصيل صغيرة تتكرر يوميا؛ تاجر يواجه ارتفاع أجور النقل، ومريض يحتاج إلى رحلة أطول للوصول إلى العلاج، وأسرة تراقب أخبار الطرق قبل اتخاذ قرار السفر.

هذه الصور تعكس أنماط المعاناة التي تفرضها الحرب الطويلة على المجتمعات الواقعة قرب خطوط المواجهة، حيث لم تعد آثار القتال مرتبطة بساعات الاشتباك وحدها، بل امتدت إلى تفاصيل المعيشة اليومية.

وقد أسهم استمرار النزاع في إضعاف القدرة الشرائية للأسر وتراجع الخدمات العامة، بينما أدت صعوبة الحركة إلى زيادة الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية.

وتتضاعف هذه الضغوط عندما تتزامن المواجهات مع موجات النزوح، إذ تواجه المجتمعات المستضيفة أعباء إضافية تتعلق بالسكن والمياه والرعاية الصحية والتعليم.

وتبقى قدرة المؤسسات المحلية والمنظمات الإنسانية على الوصول إلى المناطق المتضررة مرتبطة بدرجة الاستقرار الأمني وإمكانية استخدام الطرق دون تعرض المدنيين للخطر.

تحولات الميدان

تعكس معارك تعز الأخيرة اتجاها أوسع في الحرب اليمنية، يقوم على محاولة القوات الحكومية نقل المواجهة من الدفاع عن المواقع إلى الضغط على خطوط الإمداد والممرات التي تمنح الحوثيين القدرة على الاستمرار.

وتزداد أهمية هذا التحول مع ارتباط جبهات تعز بالساحل الغربي ومحاور لحج، حيث يمكن أن تؤثر التغيرات الميدانية في محور واحد على حركة القوات في المحاور الأخرى.

اختبار الاستقرار

يتجاوز مستقبل تعز السؤال عن الطرف الذي يسيطر على المرتفعات أو الطرق، ليصل إلى سؤال أكثر ارتباطا بحياة السكان: متى تتحول المكاسب العسكرية إلى حركة آمنة واستقرار اقتصادي وعودة للخدمات؟

فالمدينة التي تحملت سنوات من الحصار والانقسام لا تحتاج إلى تغيير خطوط السيطرة وحده، وإنما إلى استعادة اتصالها الطبيعي بمحيطها، وفتح الطرق، وحماية الأسواق والمرافق المدنية، وتهيئة الظروف لعودة النازحين.

ومع استمرار المواجهات، يبقى التحدي الأساسي أمام القوات الحكومية هو تحويل التقدم الميداني إلى استقرار فعلي، يمنع تجدد التهديدات ويعيد الثقة إلى السكان.

وفي تعز، قد تختصر إعادة فتح طريق آمن سنوات من المعاناة أكثر مما تختصره بيانات المعارك. فبالنسبة إلى سكانها، لا تكتمل معركة استعادة المدينة إلا عندما يصبح الوصول إلى المدرسة والمستشفى والسوق أمرا عاديا، لا رحلة تتحدد نهايتها بحسب اتجاه المدافع.