محمد ناصر

للأرض ذاكرة، وإن لم تكتبها بالحبر؛ تودعها في طبقات الصخور، وانحناءات الأودية، ورواسب البحيرات التي جفّت، وفي تضاريس تبدو للعين صامتة، بينما تختزن في أعماقها تاريخًا أطول من ذاكرة الإنسان.

من هذه الزاوية يثير عيد اليحيى، في برنامج "على خطى العرب"، طرحًا لافتًا حول طوفان نوح عليه السلام، حين يستنطق جغرافية جزيرة العرب، ويربط بين جبال طويق وآثار بحيرة قديمة ومسارات الأودية، وصولًا إلى تصور جغرافي لحركة السفينة وانتهائها إلى نطاق الجودي. مع ما ورد من نص القرآن يصف حدثًا هائلًا: السفينة تجري في "موج كالجبال"،

إلا أنه طوفان محلي وليس عالميا..بحسب وصفه. قيمة هذا الطرح ليست بالضرورة في التسليم بنتيجته، بل في السؤال الذي يفتحه.

فجزيرة العرب التي نراها اليوم شديدة الجفاف لم تكن كذلك في جميع عصورها. وتخبرنا الدراسات الجيولوجية والمناخية عن فترات أكثر رطوبة، عرفت خلالها الجزيرة بحيرات ومجاري مائية وبيئات تختلف كثيرًا عن المشهد الصحراوي المعاصر. وهنا يصبح البحث في ذاكرة المكان مشروعًا، وتصبح التضاريس وثيقة تستحق القراءة.

غير أن جمال الفرضية لا يغني عن صرامة الدليل. فإثبات وجود بحيرة قديمة لا يعني أنها بحيرة طوفان نوح، والعثور على مجرى مائي عتيق لا يجعله بالضرورة طريق السفينة. ولكي تنتقل الفكرة من الاحتمال الجغرافي إلى الاستدلال التاريخي، نحتاج إلى تأريخ الرواسب، وتحديد أعمار الفيضانات، وإعادة بناء مناسيب الأرض واتجاهات المياه القديمة، ثم إثبات اتصال المواقع المقترحة ضمن منظومة مائية واحدة.

وسط هذه الاحتمالات تبقى في النص القرآني علامة جغرافية لا تحتمل تحويلها إلى مجرد احتمال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾.

فالجودي هو نقطة الاستقرار التي يحددها النص، ومن ثم ينبغي لأي محاولة جغرافية أن تنتهي إليه، بينما تبقى نقطة الانطلاق والمسار بين البداية والنهاية مجالًا للبحث والاجتهاد.

ولعل السؤال الأكثر إثارة اليوم ليس: هل نصدق هذا المسار أم نرفضه؟ بل: هل تستطيع علوم الأرض الحديثة اختباره؟

صور الأقمار الصناعية، وخرائط الارتفاعات الرقمية، وتحليل الرواسب، ونمذجة اتجاهات المياه القديمة، جميعها أدوات تستطيع تحويل الفكرة من خطوط مرسومة على خريطة إلى فرضية قابلة للفحص.

هنا تحديدًا تلتقي دهشة التاريخ بصرامة العلم. فالأرض قد تحتفظ بآثار الماء آلاف السنين، وقد تمحو الرياح أسماء الأماكن وتتغير معالمها، لكن الصخور والرواسب لا تجامل الروايات. وإذا كان لطوفان عظيم مسار عبر هذه الجغرافيا، فإن السؤال الأجمل والأصعب معًا يبقى مفتوحًا:هل بقي في تضاريس جزيرة العرب ما يدل عليه؟

احصل على Outlook for Android