الوطن

* بقلم: بسام الجيال

باحث متخصص في تاريخ المملكة العربية السعودية والدراسات الاستشراقية

هلسنكي – فنلندا

bassam.algayal@integrateuscon.com

حين زار عبدالله فيلبي الرياض للمرة الأولى سنة 1917، سجّل مشهدًا صغيرًا في حجمه، واسعًا في دلالته التاريخية. ففي وصفه لترسانة المدينة، ذكر أن المدفعية المحلية كانت تتكون من مدفعين ميدانيين قديمين أُخرجا إلى الفناء ليتمكن من معاينتهما. كان أحدهما، وهو الصالح بحسب روايته، من المدافع التركية القديمة، والآخر ألماني الصنع يحمل كتابة تتضمن اسمًا تجاريًا وكارلسروه وسنة 1872. أما الذخيرة التي شاهدها فاشتملت على دانات قديمة وأظرف فارغة يعلوها الصدأ. هذه التفاصيل، الواردة في الصفحة 142 من النسخة العربية من كتاب «قلب الجزيرة العربية»، تحفظ لنا لقطة نادرة من الرياض في مرحلة كان الملك عبدالعزيز يقود منها مشروعًا سياسيًا وعسكريًا يفوق بكثير الإمكانات المادية المتاحة له.

لا يجوز بالطبع تحميل هذا المشهد أكثر مما يحتمل. لم يقدم فيلبي في هذه الفقرة إحصاءً شاملًا للقوات التابعة للملك عبدالعزيز، ولم يقل إن قدرته العسكرية اقتصرت على هذين المدفعين. كان يتحدث عن تجهيز محدد رآه في موضع محدد، لا عن جميع الرجال والأسلحة وموارد التعبئة في المناطق الخاضعة لحكم الملك. كما أن المملكة العربية السعودية بحدودها واسمها الذي أعلن سنة 1932 لم تكن قد اكتملت بعد. لكن قيمة المشهد لا تأتي من كونه جردًا للترسانة، بل من أنه يضع أمامنا مقياسًا ماديًا لحجم الموارد المتاحة في مرحلة مبكرة جدًا من بناء الدولة. ومن هذه النقطة تصبح المقارنة مع الحاضر مقارنة في تاريخ تكوين القدرة، لا مجرد مقارنة بين مدفع قديم وطائرة حديثة أو بين بندقية وصاروخ.

حين كانت المهمة أكبر من الإمكانات

ما تكشفه شهادة فيلبي بوضوح هو الفجوة الهائلة بين محدودية الوسائل واتساع المهمة. كان الملك عبدالعزيز يتحرك في جغرافيا مترامية الأطراف، قليلة السكان في مناطق واسعة منها، محدودة البنية التحتية، ولا توجد فيها قاعدة صناعية تنتج السلاح أو الذخيرة أو وسائل النقل والاتصال. ولم تكن هناك شبكات طرق ومطارات ومراكز إمداد بالمعنى الذي نعرفه اليوم. ومع ذلك كان المطلوب أكبر بكثير من الانتصار في معركة منفردة؛ كان المطلوب توسيع الحكم، وربط مناطق متباعدة، وتأمين طرق الحركة، وفرض الأمن، وإدارة العلاقات القبلية، وبناء شرعية سياسية تستطيع أن تستمر بعد انتهاء القتال.

لهذا فإن المدفعين اللذين وصفهما فيلبي لا يشرحان القوة التي امتلكها الملك عبدالعزيز، وإنما يكشفان لنا حدود الوسائل المادية التي كان عليه أن يعمل داخلها. القوة في تلك المرحلة كانت تعتمد بدرجة كبيرة على عناصر أخرى: معرفة الأرض، والقدرة على الحركة، وتنظيم الرجال، والحفاظ على الولاء، وتأمين الإمدادات، ومعرفة متى تكون المواجهة ضرورية ومتى تكون التسوية أكثر فائدة، ثم القدرة على تحويل الانتصار العسكري إلى إدارة وأمن ونظام سياسي. وفي هذا تكمن إحدى أهم خصائص تجربة التأسيس: لم تكن الدولة نتيجة وفرة القوة؛ بل إن بناء الدولة هو الذي صنع لاحقًا الموارد التي سمحت ببناء قوة أكثر تنظيمًا واستدامة.

وهذا الفارق مهم عند قراءة تاريخ السعودية. فمن السهل النظر من الحاضر إلى الماضي وقياس ما كان موجودًا بما أصبح موجودًا اليوم، لكن المقارنة العادلة تبدأ من شروط ذلك الزمن. الرياض سنة 1917 لم تكن عاصمة دولة نفطية غنية تملك موازنة ضخمة ثم أخفقت في تكوين قوة عسكرية حديثة؛ كانت مركز مشروع دولة ما زال في طور التوسع والتوحيد، داخل بيئة اقتصادية محدودة للغاية. ولذلك فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: لماذا لم يكن لدى الرياض سوى هذا القدر من المدفعية؟ بل: كيف استطاعت قيادة بدأت بهذه الموارد المحدودة أن تبني الدولة التي ستنشئ لاحقًا واحدة من أكبر المؤسسات العسكرية في المنطقة؟

من قوة التوحيد إلى مؤسسة عسكرية دائمة

لم يحدث الانتقال إلى الجيش الحديث دفعة واحدة، ولم يبدأ بعد تدفق الثروة النفطية وحدها كما قد يوحي بعض السرد المبسط لتاريخ الدولة. فقد شهد عهد الملك عبدالعزيز خطوات متتابعة نحو نقل القوة من ترتيبات مرتبطة بمرحلة التوحيد والحاجة المباشرة إلى تشكيلات وإدارات أكثر انتظامًا. أُنشئت إدارة الأمور العسكرية سنة 1929، ثم وكالة الدفاع سنة 1934، ورئاسة أركان الجيش سنة 1939، ووزارة الدفاع سنة 1944. وبين هذه المحطات كانت تتشكل تدريجيًا فكرة مختلفة للقوة العسكرية: لم تعد المسألة حشد رجال لمواجهة ظرف معين، بل إنشاء مؤسسة قائمة تستطيع أن تدرب وتخطط وتدير الإمداد وتحفظ الخبرة وتستعد للمواجهة قبل وقوعها.

وهذا التحول من أهم التحولات في تاريخ بناء الدولة السعودية، لأن المؤسسة العسكرية الحديثة لا تُبنى بشراء السلاح. يمكن للدولة أن تشتري طائرة أو مدفعًا أو سفينة، لكنها لا تشتري بسهولة المعرفة التي تجعل هذه الأدوات تعمل ضمن منظومة واحدة. وراء كل قطعة سلاح سلسلة طويلة من التعليم والتدريب والقيادة والصيانة والاتصالات والاستخبارات والتموين والذخيرة والبنية التحتية والقدرة على الاستمرار. وكلما تطورت التقنية أصبحت هذه الشبكة أكثر تعقيدًا. لذلك كان إنشاء الإدارات العسكرية والمدارس ومؤسسات القيادة خطوة لا تقل أهمية عن إدخال الأسلحة الجديدة نفسها.

والتحول الأعمق هو أن الجيش أصبح مع الوقت جزءًا من الدولة الدائمة لا أداة لمرحلة التأسيس فقط. ففي مرحلة التوحيد كانت المهمة الرئيسية هي بسط السلطة وتثبيت الأمن الداخلي وحماية المجال الذي يتشكل داخل الدولة الجديدة، أما مع استقرار الحدود ونمو المؤسسات وتغير البيئة الإقليمية فقد اتسعت وظيفة القوات المسلحة نفسها. أصبح المطلوب حماية المجال الجوي والمياه الإقليمية والسواحل والموانئ والمنشآت الاستراتيجية والمدن وشبكات الطاقة والاقتصاد، والتعامل مع تهديدات لم يكن من الممكن حتى تصورها في الرياض سنة 1917.

ومن هنا تبدو المقارنة بين الماضي والحاضر أكثر عمقًا من مجرد الفرق في حجم الترسانة. الذي تغير هو تعريف القوة نفسها. فيلبي كان يستطيع أن يدخل فناءً صغيرًا ويصف ما رآه من مدافع وذخيرة. أما اليوم فلا يمكن فهم القوة العسكرية السعودية بالنظر إلى مخزن أو قاعدة منفردة؛ لأنها موزعة بين قوات برية وجوية وبحرية ودفاع جوي وقوة صواريخ استراتيجية ومؤسسات قيادة وتدريب وإسناد واتصالات، وبين قواعد ومنشآت ومدارس عسكرية ومراكز صيانة وسلاسل إمداد ممتدة عبر مساحة الدولة.

تمتلك القوات البحرية مثلًا أسطولين يعمل أحدهما في الخليج العربي والآخر في البحر الأحمر. وهذه الحقيقة وحدها تعكس تغيرًا جذريًا في طبيعة المسؤولية؛ فالدولة مطالبة بتأمين ساحلين يفصل بينهما امتداد جغرافي قاري، وموانئ ومنشآت طاقة وطرق بحرية تتصل بالتجارة العالمية. والقوة الجوية مطالبة بحماية مجال جوي واسع للغاية، بينما يعمل الدفاع الجوي ضمن بيئة أصبحت فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة والتقنيات الدقيقة جزءًا من معادلة الأمن المعاصر. لم يعد الدفاع مسألة جبهة واحدة أو نوع واحد من السلاح، وإنما قدرة على جعل هذه الأفرع تعمل داخل منظومة متكاملة.

من استيراد السلاح إلى امتلاك المعرفة

تعطي الأرقام الحديثة مقياسًا واضحًا للمسافة التي قطعتها الدولة منذ ذلك المشهد الذي وصفه فيلبي. يقدّر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام الإنفاق العسكري السعودي سنة 2025 بنحو 83.2 مليار دولار، لتأتي المملكة في المرتبة الثامنة عالميًا من حيث حجم الإنفاق العسكري. وتكمن دلالة هذا الرقم في حجم القدرة التي أصبحت الدولة تخصصها لبناء منظومة دفاعية متكاملة تشمل التسليح والتدريب والجاهزية والصيانة والإسناد والتقنية وتطوير الكفاءات البشرية. والمقارنة مع مدفعَي الرياض سنة 1917 لا تكشف فقط اتساع الموارد، بل تكشف انتقال السعودية من مرحلة كانت ندرة السلاح والذخيرة أحد حدود قدرتها العسكرية إلى مرحلة أصبحت فيها إدارة منظومة دفاعية ضخمة ومتعددة الأفرع جزءًا ثابتًا من وظائف الدولة.

لكن أهمية الرقم في سياق هذه المقارنة التاريخية مختلفة. فهو يبين مقدار التحول في قدرة الدولة على تخصيص الموارد للدفاع. ففي سنة 1917 كان أحد أسئلة القوة هو العثور على السلاح والذخيرة والمحافظة على صلاحيتهما في بيئة شحيحة الموارد، أما بعد أكثر من قرن فأصبح السؤال يتعلق بكيفية استخدام عشرات المليارات لبناء قوة أكثر كفاءة وتكاملًا واستقلالًا. إنها نقلة من ندرة المورد إلى إدارة المورد، وهي مرحلة أكثر تقدمًا لكنها ليست بالضرورة أقل تعقيدًا.

ولهذا يمثل توطين الصناعات العسكرية المرحلة التالية في قصة بناء القوة. فوفق الهيئة العامة للصناعات العسكرية، بلغت نسبة توطين الإنفاق العسكري 24.89% بنهاية سنة 2024، في حين تستهدف المملكة تجاوز 50% بحلول 2030. ولا يعني الوصول إلى هذه النسبة أن السعودية ستنتج كل احتياجاتها العسكرية داخل حدودها، ولا أن الاعتماد المتبادل مع الصناعات الدفاعية العالمية سينتهي؛ فحتى أكبر القوى العسكرية تعتمد على شبكات دولية من الموردين والشركات والتقنيات. لكن الاتجاه نفسه مهم لأنه ينقل جزءًا متزايدًا من القيمة والمعرفة والمهارة إلى الداخل.

التوطين هنا لا ينبغي أن يُفهم على أنه تصنيع قطعة معدنية أو تجميع نظام مستورد فقط. القيمة الاستراتيجية الأعلى تكمن في المعرفة التي تأتي مع التصنيع: الهندسة، والإلكترونيات، والبرمجيات، والاختبار، والصيانة، وإدارة دورة حياة المنظومات، والبحث والتطوير، والقدرة على تعديل المعدات وفق الاحتياجات المحلية. وكلما ازداد امتلاك هذه المعرفة تقل الفجوة بين شراء القوة وامتلاك القدرة على إدامتها.

ولعل أكثر ما يعيدنا إلى وصف فيلبي للذخيرة القديمة والأظرف التي يعلوها الصدأ هو أن بناء القوة العسكرية لم يكن يومًا مرتبطًا بامتلاك السلاح وحده. فما رآه سنة 1917 يذكّر بأهمية الذخيرة والصيانة والإمداد والقدرة على إبقاء المعدات صالحة للاستخدام. وبعد أكثر من مئة عام ما زال المبدأ نفسه قائمًا، لكن على مستوى أكثر تعقيدًا بكثير: صيانة المنظومات، وإنتاج مكوناتها، وتدريب الكوادر الوطنية، وتأمين سلاسل التوريد، وتطوير القدرات مع تغير التكنولوجيا. لقد تغير حجم الأدوات وتعقيدها، أما جوهر القوة فبقي مرتبطًا بقدرة الدولة على تشغيل ما تمتلكه والمحافظة عليه وتطويره بصورة مستمرة.

قرن من بناء القدرة

بين المدفعين اللذين عاينهما فيلبي والمؤسسة العسكرية السعودية اليوم يمتد تاريخ بناء دولة، لا مجرد تاريخ اقتناء أسلحة. وهذه ربما أهم نتيجة يمكن الخروج بها من المقارنة. فالمدفع الذي كان في فناء الرياض سنة 1917 لم يتحول بطريقة مباشرة إلى الطائرة أو السفينة أو الصاروخ الموجود اليوم. الذي حدث بينهما هو بناء مؤسسات سياسية واقتصادية وتعليمية وإدارية سمحت أصلًا بوجود جيش حديث.

الثروة النفطية كانت عنصرًا حاسمًا في تسريع هذا المسار، لكنها لا تفسره وحدها. المال يستطيع شراء المعدات، لكنه لا يستطيع وحده خلق دولة قادرة على استخدامها وإدارتها والمحافظة عليها عبر عقود. وقد شهد التاريخ دولًا امتلكت موارد ضخمة واشترت ترسانات كبيرة من دون أن تتحول بالضرورة إلى مؤسسات عسكرية فعالة. لذلك فإن قراءة التحول السعودي من زاوية «النفط اشترى السلاح» تفقد جزءًا أساسيًا من القصة: الموارد المالية جاءت إلى دولة كانت قد بدأت قبل الوفرة الكبرى عملية بناء الإدارة والتنظيم العسكري، ثم استخدمتها لتوسيع ما أنشأته وتطويره.

كما أن بناء القوة العسكرية لم يكن منفصلًا عن بناء بقية الدولة. شبكة الطرق التي تربط المناطق تخدم الاقتصاد كما تخدم الحركة العسكرية، والموانئ والمطارات والاتصالات والتعليم والصناعة والتقنية كلها عناصر مدنية وعسكرية في الوقت نفسه. والدولة التي لا تستطيع إدارة هذه المنظومات في حياتها اليومية يصعب عليها استخدامها بكفاءة وقت الأزمات. لذلك فإن تاريخ المؤسسة العسكرية السعودية جزء من قصة أكبر هي قصة انتقال المملكة نفسها من فضاء واسع محدود البنية التحتية إلى دولة حديثة تملك مؤسسات تعمل على مساحة قارية.

لهذا يستحق مشهد فيلبي أن يُستعاد بعد أكثر من قرن، لا للسخرية من بساطة الوسائل ولا لصناعة مقارنة استعراضية بين مدفع من القرن التاسع عشر وصاروخ من القرن الحادي والعشرين. أهميته أنه يعيد الإنسان إلى قلب عملية بناء الدولة. رجال تلك المرحلة لم يكونوا يعرفون شكل المؤسسة التي ستوجد بعد مئة عام، لكنهم كانوا يتعاملون مع السؤال نفسه الذي تواجهه الدول في كل مرحلة من تاريخها: كيف يمكن تحويل الموارد المتاحة، مهما كانت محدودة، إلى قدرة تحمي المشروع السياسي وتسمح له بالاستمرار؟

لقد دوّن عبدالله فيلبي ما رآه في فناء ترسانة الرياض سنة 1917: مدفعان قديمان وذخائر محدودة وآثار زمن مختلف. أما القرن الذي تلا تلك الزيارة فقد كتب الفصل الذي لم يكن فيلبي يستطيع رؤيته يومها. انتقلت المملكة من مرحلة كانت فيها قلة الموارد أحد حدود القوة إلى مرحلة أصبح فيها التحدي هو إدارة قوة واسعة ومتعددة الأفرع، ثم إلى مرحلة جديدة تسعى فيها إلى أن تكون المعرفة والصناعة الوطنية جزءًا أكبر من هذه القوة.

المسافة بين المدفعين والمؤسسة العسكرية الحديثة ليست مسافة في التكنولوجيا وحدها؛ إنها المسافة التي قطعتها الدولة السعودية نفسها. ولذلك فإن أفضل طريقة لقراءة ذلك المشهد القديم ليست أن نسأل كم كان لدى الرياض من الأسلحة، بل أن نسأل كيف استطاعت بداية بهذه المحدودية أن تنتج، خلال أكثر من قرن، دولة تملك الموارد والمؤسسات والمعرفة التي تجعل الدفاع عن أراضيها ومصالحها وظيفة دائمة من وظائف الدولة. هنا تحديدًا تكمن الدلالة الحقيقية لشهادة فيلبي: لقد وصف لحظة من لحظات البداية، من دون أن يعرف مقدار ما كان يمكن لتلك البداية أن تصنعه.