صفوق الشمري

في خضم الأحداث المتسارعة، وما يحيط بوطننا من تحديات، وحين تتوالى الوقائع وتتداخل الحسابات، يصبح الرجوع إلى الأصول ضرورة لفهم ما يجري. وكما يُنسب إلى أرسطو في مبدأ التفكير من المبادئ الأولى: «حين تتعقد الأمور، عُد إلى المبادئ الأولى». وكما يقول المبدأ اللاتيني الشهير: Ad fontes، أي «عُد إلى المصادر»، إلى الينابيع الأولى التي تنكشف عندها الحقائق، وتسقط الأقنعة، وتتضح حقيقة المواقف.

هناك حقائق كثيرة، لكنني أريد منكم التركيز على أربع منها تحديدًا في هذه المرحلة.

أولًا: وطنك عظيم، وعزته من عظمة تاريخه ومكانته. وطنك ليس كيانًا طارئًا في سجل التاريخ، ولا دولة صنعتها المصادفات؛ إنه وطن عميق الجذور، راسخ المكانة، ممتد الأثر، يحمل من التاريخ ما لا تستطيع الأحداث العابرة أن تمحوه.

يقول الكاتب الأمريكي جورج ويليام كيرتس: «وطن الرجل ليس مساحة معينة من الأرض أو الجبال أو الأنهار، بل هو مبدأ، والوطنية هي الولاء لهذا المبدأ». فما بالك بوطنٍ لا يستمد مكانته من الأرض والتاريخ وحدهما، بل يحتضن أقدس بقعتين على وجه الأرض، ويشرف بخدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما؟

الوطن ليس ترابًا نمشي عليه فحسب، بل روح تسكننا ونسكنها، وحين يكون الوطن بهذه المكانة، فإن الدفاع عنه ليس مجرد واجب سياسي أو عسكري، بل مسؤولية تاريخية وأخلاقية ووفاء.

ثانيًا: عظمة وطنك هي تحديدًا ما يجعل استهدافه ومحاولة تعطيل نهضته أمرًا مفهومًا في حسابات خصومه.

ليست كل الحروب التي تستنزف الدول هدفها تحقيق نصر مباشر عليها؛ بعضها يهدف إلى إغراقها في صراعات طويلة، (مستنقع) واستنزاف مواردها، وتعطيل مشروعاتها، وإبقائها منشغلة بإطفاء الحرائق بدلًا من صناعة المستقبل.

في اليمن، كان الخطر أكبر من مجرد حرب على حدود المملكة. بل محاولة تحويل الأزمة إلى استنزاف طويل، في وقت كانت فيه السعودية تمضي نحو مرحلة تاريخية من التحول والتنمية. وكان من الممكن أن تُحسم الحرب من سنوات في مراحل سابقة، لولا التدخلات الدولية والتسويات السياسية التي منحت الحوثيين فرصة للاستمرار وتعزيز نفوذهم، بدلًا من معالجة جذور التهديد.

تعاملت أطراف دولية عمدًا مع الأزمة بمنطق التسويات التي تترك أسباب الصراع قائمة، وكانت اتفاقية ستوكهولم بشأن الحديدة عام 2018 مثالًا بارزًا.

كل الأطراف الدولية تعرف تمامًا أن الحوثيين جماعة إرهابية وارتبطوا بانتهاكات جسيمة بحق اليمنيين، من قتل وتعذيب وسرقة وتفجير وغيرها من الممارسات التي ألحقت بالشعب اليمني معاناة هائلة، وليسوا طرفًا سياسيًا لكن غضت الطرف!

أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الصراعات هو أن يتحول استمرار الأزمة إلى غاية في حد ذاته، وأن يصبح بقاء التهديد أكثر فائدة لبعض الأطراف من إنهائه.

ثالثًا: السعودية العظيمة ليست دولة لا تبالي وتتجاهل الشر ثم تسمي تجاهله حيادًا!

كان بإمكان المملكة أن تتجاهل ما يجري في اليمن، وأن تترك الحوثيين يفعلون ما يشاؤون، وأن تكتفي بمراقبة المشهد من بعيد، ثم تعلن أنها اختارت الحياد، كما قد تفعل دول أخرى. لكن هل كان ذلك حيادًا حقًا؟

أن تلتفت إلى الجهة الأخرى ليس حيادًا، بل هو اختيار عدم الوقوف مع الحق والصمت المتعمد بين الخير والشر هو انحياز للشر، والحياد الزائف ليس حكمة، بل هو موقف من لا يملك شجاعة الوقوف مع الحق.

السعودية اختارت ألّا تتغاضى وتلتفت إلى الجهة الأخرى، أن تتعامل مع التهديد بوصفه تهديدًا حقيقيًا، لا خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار. اختارت أن تتحمل مسؤولية حماية أمنها، وألّا تترك الخطر يتضخم حتى يصبح التعامل معه أكثر كلفة وتعقيدًا.

فالسعودية دولة أفعال، وليست دولة شعارات. وهي تدرك أن التغاضي عن التهديدات لا يُنهيها بالضرورة؛ بل قد يمنحها الوقت والقدرة على التمدد. لكن هذا لا يعني أن القوة غاية في ذاتها، ولا أن الحروب بلا أثمان، بل يعني أن الدولة المسؤولة هي التي توازن بين كلفة المواجهة وكلفة ترك الخطر يتفاقم، وتختار ما يحفظ أمنها ومصالحها على المدى البعيد.

وحين اختارت المملكة ألّا تلتفت إلى الجهة الأخرى، لم يكن ذلك مجرد قرار في أزمة عابرة؛ بل تعبير عن مبدأ: أن أمن الوطن ليس موضوعًا للمساومة، وأن حماية المستقبل تبدأ من إدراك الخطر قبل أن يستفحل.

رابعًا: ليست كل أزمة خسارة؛ فبعض الأزمات تكشف لك ما لا تكشفه سنوات الرخاء.

في كل أزمة جانب مؤلم، لكن ليس كل ما فيها سلبيًا. فالأزمات تختبر الدولة كما تختبر الرجال؛ تكشف معادنهم، وتفرز مواقفهم، وتختبر الدول من حولك ورجالاتها وتضع الشعارات أمام امتحان الواقع.

الأزمات تكشف لك من يقف معك حين ترتفع الكلفة، ومن يتوارى حين تصبح المواقف مكلفة. وتكشف لك مكامن القوة في الوطن التي ينبغي تعزيزها، والثغرات التي يجب معالجتها، والاعتماديات التي لا يجوز أن تبقى نقاط ضعف في منظومة أمنك ومستقبلك.

والدولة التي تتعلم من أزماتها لا تخرج منها بالضرورة كما دخلتها؛ بل قد تخرج أكثر وعيًا بقدراتها، وأكثر إدراكًا لأولوياتها، وأكثر استعدادًا لما قد يأتي بعدها.

في هذه الأزمة، أوجّه تحية تليق برجال الوطن في وزارة الدفاع والقوات المسلحة، المرابطين على الثغور، الذين يضعون أرواحهم في سبيل حماية الوطن وأمنه، تحية أخرى إلى المواطنين السعوديين الذين اختاروا الدفاع عن وطنهم في وسائل التواصل الاجتماعي، بدافع وطني خالص، دون انتظار مقابل أو مكافأة. أولئك الذين يواجهون الشائعات، ويفندون الادعاءات، ويشرحون الحقائق، ويدافعون عن صورة وطنهم بما يستطيعون من علم وحجة وكلمة مسؤولة.