الوطن

* بقلم: بسام الجيال

باحث متخصص في تاريخ المملكة العربية السعودية والدراسات الاستشراقية

هلسنكي – فنلندا

bassam.algayal@integrateuscon.com

لم يكن ظهور الفنان اللبناني فضل شاكر على مسرح أبو بكر سالم في الرياض مساء الثاني والعشرين من أكتوبر 2026 مجرد عودة مطرب إلى جمهوره بعد غياب امتد نحو أربعة عشر عامًا، بل كان مشهدًا يحمل دلالات سياسية وثقافية لا تقل أهمية عن الحدث الفني نفسه. فالرجل الذي عرفه الجمهور العربي بصوته العاطفي، ثم عرفه بمواقفه الحادة من حزب الله والمحور الإيراني، عاد إلى المسرح في لحظة تاريخية تغيرت فيها موازين القوى التي حكمت المشرق العربي طوال عقود. والأكثر دلالة أن عودته لم تكن من بيروت، المدينة التي انطلقت منها شهرته، ولا من دمشق التي ارتبط اسمه بموقفه من الثورة فيها، وإنما من قلب الرياض، العاصمة السعودية التي أصبحت إحدى أبرز مراكز النشاط الثقافي والغنائي العربي. وقد اجتمعت في تلك الليلة ثلاث صور تختصر تحولات مرحلة كاملة: محور إقليمي تهاوت ركائز قوته، وفنان واجهه سياسيًا ودفع سنوات طويلة من حياته بعيدًا عن المسرح، وعاصمة سعودية احتضنت عودته ومنحته فرصة اللقاء بجمهوره مجددًا. ولعل السؤال الذي يستحق التأمل ليس لماذا عاد فضل شاكر إلى الغناء، بل كيف اجتمع سقوط المحور وعودة أحد أبرز معارضيه من الوسط الفني وصعود الرياض مركزًا ثقافيًا في لحظة واحدة. إن قراءة هذا المشهد من زاوية الأغنية وحدها تفقده جانبًا مهمًا من معناه، تمامًا كما أن قراءته سياسيًا دون الالتفات إلى رمزية الشخص والمكان تحجب ما يكشفه عن العلاقة بين القوة والثقافة والتحولات التي تعيشها المنطقة.

سقط المحور وتغيرت معادلة القوة

لم يكن المحور الإيراني مجرد تحالف بين دول أو مجموعة من التنظيمات المسلحة، بل كان شبكة نفوذ سياسية وعسكرية وأمنية بنتها طهران عبر عقود، وامتدت من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن، مع اختلاف طبيعة العلاقة بكل طرف من أطرافها. وقد استند هذا المحور إلى الجمع بين قدرات الدولة الإيرانية والقوى المسلحة الحليفة لها، وإلى توظيف الصراعات الإقليمية لتوسيع النفوذ والتأثير في القرار السياسي داخل عدد من الدول العربية. وبلغت هذه المنظومة درجة من القوة جعلتها تبدو خلال مراحل معينة قادرة على فرض معادلاتها على خصومها، والتحكم في مساحات واسعة من القرار الأمني والسياسي، ولا سيما في المشرق العربي. لكن التحولات العسكرية والسياسية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة أصابت البنية التي قام عليها ذلك النفوذ؛ فقد تعرض حزب الله في لبنان لضربات عسكرية أضعفت قدراته، وانهارت السلطة السورية التي كانت تشكل حلقة إستراتيجية في اتصال أطراف المحور، وتغيرت التوازنات في ساحات إقليمية أخرى، قبل أن تمتد المواجهات العسكرية إلى إيران نفسها. وقد أفضت هذه التطورات إلى تفكك جانب مهم من المعادلة التي كان المحور يعتمد عليها في توسيع نفوذه وردع خصومه، وأعادت رسم حدود القوة والتأثير في المنطقة. ومن هذا المنظور يحمل عنوان «سقط المحور» دلالة على انهيار منظومة القوة التي حكمت مرحلة سابقة، وعلى التحول الذي أحدثه ذلك في البيئة السياسية والأمنية التي كانت تتحرك داخلها الدول والجماعات والأفراد.

ولم يقتصر أثر هذه التحولات على موازين القوة العسكرية أو العلاقات بين الدول، بل امتد إلى حياة المجتمعات والأفراد الذين عاشوا سنوات طويلة تحت وطأة الصراعات التي ارتبطت بالمحور وحلفائه وخصومه. فقد تحولت أجزاء من المشرق العربي إلى ساحات مواجهات متكررة، وتأثرت مؤسسات الدولة والاقتصاد والثقافة بحرية حركة الجماعات المسلحة وتعدد مراكز القرار الأمني والسياسي. وفي مثل هذه الظروف لا يعود تأثير المحاور محصورًا في الحكومات والجيوش، بل يصل إلى حياة الفنان والمثقف والصحفي ورجل الأعمال والمواطن العادي، وقد يحدد المكان الذي يستطيع العمل فيه أو السفر إليه أو التعبير من خلاله عن مواقفه. وتصبح التحولات الكبرى قابلة للقراءة من خلال مصائر أشخاص لم يكونوا جزءًا من مؤسسات الحكم، لكنهم وجدوا أنفسهم داخل الصراع أو في مواجهته. ومن بين هؤلاء فضل شاكر، الذي تحول من مطرب جماهيري إلى شخصية ارتبط اسمها بموقف سياسي حاد من حزب الله وتدخله في سوريا، ثم غاب عن المسرح خلال سنوات اتسع فيها ذلك الصراع. وتكتسب عودته اليوم معناها من هذا التتابع التاريخي، فالمحور الذي كان يتمتع بنفوذ واسع في المرحلة التي غاب فيها الفنان لم يعد يمتلك المعادلة نفسها عند عودته، والمشهد الذي شهدته الرياض يصعب فصله عن هذا التغير. وفي القراءة الرمزية لهذه العودة، فإن سقوط المحور لم يغيّر خريطة السياسة الإقليمية وحدها، بل غيّر أيضًا المناخ الذي أصبح من الممكن أن يعود فيه صوت ارتبط بمواجهته إلى المسرح والجمهور.

عاد الصوت الذي واجه المحور

كان فضل شاكر قبل ابتعاده عن المسرح أحد أبرز الأصوات الغنائية اللبنانية في العالم العربي، وارتبط حضوره بأغنيات الحب والحنين والفراق، حتى أصبح صوته جزءًا من الذاكرة العاطفية لجيل كامل من المستمعين. لكن التحولات السياسية في المنطقة نقلته من عالم الغناء إلى مواجهة علنية مع حزب الله والمحور الذي ينتمي إليه، ولا سيما بعد تدخل الحزب العسكري في سوريا. ولم تكن مواقفه مجرد تعليقات عابرة على أحداث سياسية، بل اتخذت طابعًا حادًا جعل اسمه حاضرًا في الانقسام اللبناني والعربي، وأدخل حياته في مسار طويل من التعقيدات الأمنية والقضائية والغياب الفني. وقد جعلت هذه التجربة شخصيته مختلفة عن شخصية الفنان الذي يعتزل الغناء ثم يعود إليه عندما يقرر ذلك، لأن غيابه ارتبط بمرحلة كانت فيها السياسة والصراع المسلح يفرضان تأثيرهما على المجال العام وحياة الأفراد. ومع ذلك، لم يغب صوته عن الجمهور؛ فقد بقيت أغنياته تُسمع في البيوت والسيارات والمناسبات، واستمرت المنصات الرقمية في نقلها إلى أجيال جديدة، وكأن الأغنية استطاعت أن تحتفظ بمكانها بينما غاب صاحبها عن المسرح.

وهنا تظهر المفارقة التي تمنح العودة معناها الأعمق. فالرجل الذي واجه حزب الله سياسيًا، وعارض مشاركته العسكرية في سوريا، عاد إلى الجمهور في مرحلة تغيرت فيها أوضاع المحور الإيراني وتراجعت قدرته على فرض المعادلات التي استند إليها سابقًا. ولم يكن فضل شاكر في هذه القصة مجرد مطرب يستأنف نشاطه الفني، بل شخصية تستحضر سنوات الصراع بمجرد ظهورها على المسرح. فالمستمع الذي تابع أخباره خلال السنوات الماضية لا يستطيع فصل لحظة عودته عن الظروف التي غاب فيها، ولا عن التحولات التي شهدتها المنطقة بين المرحلتين. وقد احتفظت أغنياته القديمة بقيمتها العاطفية لدى جمهوره، لكن العودة أضافت إليها معنى جديدًا يرتبط بالزمن والغياب والتحول السياسي. ومن هذه الزاوية يصبح عنوان الحفل «عودة الغايب» أكثر من استعادة لعنوان أغنية مشهورة، لأنه يختصر علاقة الفنان بسنوات غيابه، وعلاقة الجمهور بصوت ظل حاضرًا في الذاكرة قبل أن يعود صاحبه إلى الوقوف أمامه.

وتكتمل هذه الصورة عندما نتذكر أن فضل شاكر استقبل سقوط النظام السوري بأغنية «الشام فتح»، التي أعادت صوته إلى القضية التي ارتبطت بها مواقفه السياسية خلال سنوات الغياب، ولكن هذه المرة من خلال التعبير الغنائي عن الفرح والحنين إلى سوريا. فقد حضرت الشام في الأغنية بوصفها مكانًا يستعيد الحياة، وحضرت صور الياسمين والورد والفرح بعد سنوات طويلة من الحرب. وتبدو المسافة بين هذه الأغنية وحفل «عودة الغايب» في الرياض قصيرة من الناحية الزمنية، لكنها واسعة من حيث الدلالة؛ ففي الأولى يحتفي الفنان بتحول سياسي طالما ارتبط بموقفه منه، وفي الثانية يستعيد موقعه على المسرح بعد أن تغيرت الظروف التي أحاطت بسنوات غيابه. وبين الحدثين يظهر الصوت نفسه وقد انتقل من الغياب والحضور المحدود إلى اللقاء المباشر بالجمهور. ولا تحتاج هذه القصة إلى تحويل الفنان إلى بطل سياسي أو اختزال مسيرته في خلافه مع حزب الله، فتكفي رمزية تجربته لقراءة جانب من التحول الذي شهدته المنطقة. لقد عرفه الناس مطربًا، ثم عرفوه معارضًا شرسًا للمحور، وها هم يشاهدونه يعود إلى الغناء بعد تراجع منظومة النفوذ التي ارتبطت بمرحلة غيابه. وفي هذه المفارقة يكمن السبب الذي يجعل عودته حدثًا يتجاوز حدود الفن.

من قلب الرياض حيث اكتملت رمزية العودة

يبقى المكان العنصر الثالث الذي يمنح القصة معناها الكامل، لأن عودة فضل شاكر لم تكن إلى أي مسرح عربي، بل إلى مسرح أبو بكر سالم في العاصمة السعودية. وقد أصبحت الرياض خلال السنوات الأخيرة واحدة من المراكز الرئيسة لتنظيم الحفلات والمهرجانات والفعاليات الثقافية العربية، بعد توسع الاستثمار في المؤسسات الترفيهية والبنية التنظيمية والإنتاج الإعلامي. واستطاعت استقطاب فنانين من مختلف الأجيال والبلدان، وتكوين جمهور واسع يمنح هذه الفعاليات امتدادًا عربيًا يتجاوز الحدود الوطنية. لكن أهمية استضافة فضل شاكر تتجاوز هذا التطور الثقافي العام، لأن شخصيته وتاريخ غيابه جعلا المكان جزءًا أساسيًا من دلالة الحدث. فالسعودية كانت إحدى القوى الإقليمية التي اختلفت مع سياسات إيران وحلفائها في المشرق، وكانت القضية السورية أحد ميادين هذا الخلاف خلال السنوات الماضية. ثم جاءت عودة الفنان الذي عُرف بموقفه من حزب الله لتحدث في عاصمتها، بعدما تعرض المحور الإيراني لتحولات أصابت موقعه وقدرته على التأثير. وهكذا لم تكن الرياض مجرد مدينة تملك مسرحًا وجمهورًا وإمكانات تنظيمية، بل المكان الذي اجتمعت فيه دلالات التحول السياسي وعودة الصوت الغائب وصعود الحضور الثقافي السعودي.

ولو عاد فضل شاكر إلى الغناء من بيروت أو دمشق أو القاهرة، لكانت المناسبة مهمة من الناحية الفنية والإنسانية، لكنها ما كانت ستحمل التركيب الرمزي نفسه الذي اكتسبته من الرياض. فالعاصمة السعودية هنا ليست خلفية جغرافية محايدة، وإنما تمثل طرفًا أساسيًا في قراءة التحولات الإقليمية التي أحاطت بالحدث. وقد ظهر هذا المعنى بصورة أوضح مع الإقبال الجماهيري الكبير على الحفل، الذي أدى إلى إضافة ليلة ثانية بعد نفاد تذاكر الليلة الأولى، ومع البث الإعلامي الواسع الذي نقل العودة إلى الجمهور العربي خارج المسرح. وأصبح صوت فضل شاكر الذي انقطع عن الحفلات الجماهيرية نحو أربعة عشر عامًا يسمع مرة أخرى من العاصمة السعودية، لا بوصفه ذكرى من زمن مضى، بل بوصفه حضورًا فنيًا جديدًا. وتكشف هذه اللحظة عن دور الثقافة في التعبير عن تغير مراكز الثقل داخل العالم العربي، فبينما شهدت بعض عواصم المشرق أزمات طويلة أثرت في مؤسساتها وحياتها العامة، توسعت الرياض في بناء البنية اللازمة لاستضافة الأحداث الفنية الكبرى، وأصبحت قادرة على استقبال فنان يحمل معه تجربة عربية معقدة وإعادة تقديمه إلى جمهوره.

ولعل أكثر ما يستحق التأمل في هذه الليلة هو الفرق بين القوة التي تقوم على النفوذ العسكري والقوة التي تنشأ من قدرة المدينة على جمع الناس واستضافة الثقافة والفن. فقد شهد المشرق العربي طوال السنوات الماضية صراعات سياسية وعسكرية أعادت تشكيل علاقات الدول والمجتمعات، وأثرت في حياة ملايين البشر وفي قدرتهم على العمل والتنقل والإبداع. وفي المقابل، كانت الرياض توسع موقعها في الاقتصاد والثقافة والفعاليات العامة، حتى أصبحت إحدى الوجهات التي يقصدها الفنانون العرب للقاء جمهورهم. ولا يمكن الفصل بين هذه القدرة وبين المؤسسات والاستثمارات والاستقرار الذي يحتاج إليه النشاط الثقافي كي يستمر ويتوسع. فالمسرح ليس مجرد منصة يقف عليها الفنان، بل تعبير عن منظومة اقتصادية وتنظيمية واجتماعية تسمح بوجود الجمهور وانتقال الفنان والإنتاج الإعلامي وتداول العمل الفني. وتزداد دلالة هذه الحقيقة عندما يكون الفنان العائد شخصًا ارتبط غيابه بمرحلة من الصراعات الإقليمية الطويلة. عندئذ يتحول المسرح إلى مساحة تلتقي فيها الذاكرة السياسية بالذاكرة الغنائية، ويصبح المكان شاهدًا على تغير الظروف التي أحاطت بالاثنتين.

لقد اجتمعت في ليلة الرياض ثلاث وقائع يصعب النظر إليها بوصفها مجرد مصادفات منفصلة: سقوط المعادلة الإستراتيجية التي قام عليها المحور الإيراني، وعودة فضل شاكر الذي كان من أبرز الأصوات الفنية المعارضة لحزب الله وتدخله في سوريا، وانطلاق هذه العودة من قلب العاصمة السعودية. وفي هذه الثلاثية تتجاوز الأغنية وظيفتها الفنية لتصبح مدخلًا لقراءة مرحلة من التاريخ العربي المعاصر. فقد اختفت من المشهد الإقليمي ترتيبات كانت تبدو راسخة، وتغير موقع قوى مسلحة وتحالفات سياسية فرضت حضورها طوال سنوات، وعاد إلى المسرح فنان حملت سيرته أثر تلك المرحلة، وكانت الرياض المدينة التي شهدت عودته أمام الجمهور. وليس المقصود أن حفلًا غنائيًا يستطيع تلخيص جميع التحولات السياسية أو تفسير أسبابها، لكنه يستطيع أن يقدم صورة مكثفة لنتائجها الإنسانية والثقافية، حين تلتقي شخصية معروفة بتاريخها السياسي مع لحظة تغير إقليمي ومكان اكتسب دورًا جديدًا في الحياة العربية.

سقط المحور، وعاد من كان من أشرس معارضيه في الوسط الفني إلى الغناء، وانطلق صوته من قلب الرياض. ثلاث جمل تختصر معنى ليلة لم تكن مجرد حفل بعنوان «عودة الغايب»، بل مشهد يربط بين نهاية معادلة إقليمية وعودة صوت فني ومكان عربي احتضن هذه العودة. فالمحور الذي كان يفرض حضوره في المشرق تغيرت موازين قوته، والفنان الذي غاب في زمن ذلك الصراع عاد إلى جمهوره، والسعودية التي كانت حاضرة في التوازنات السياسية للمنطقة أصبحت حاضرة أيضًا بوصفها مركزًا ثقافيًا يستقبل الفنانين والجمهور. ولعل المفارقة الأبلغ أن فضل شاكر لم يعد ليغني في المكان الذي غاب منه، وإنما عاد من قلب الرياض؛ فالرياض أعادت إليه الاعتبار الفني، وأعادته رسميًا إلى جمهوره العربي، ومنحته المسرح الذي استأنف منه مسيرته الغنائية بعد أربعة عشر عامًا من الغياب. وهكذا اجتمعت رمزية الشخص والحدث والمكان في ليلة واحدة؛ فحين عاد صوته، كانت خريطة المنطقة قد تغيرت، وأصبحت العاصمة السعودية شاهدة على عودة فنان ارتبط غيابه بمرحلة طويلة من الصراعات والتحولات. ولم تكن الرياض مجرد محطة في رحلة العودة، بل كانت المكان الذي اكتملت فيه صورتها، حيث عاد فضل شاكر يغني للسعودية وفي السعودية ويُطرب السعوديين.