جدة : محمود تراوري

" لسنا نريد الذي لم يزل نازحاً في امتدادك

إنا نريده الوجوه التي كان آباؤنا يبذرون على الموج

أسماءنا

أن نسير على الأرض دون انحناء

وها أنت كالحزن تنداح

تنداح دون انتهاء . .".

" لا ماء في الماء " تكاد تكون إحدى أشهر قصائد " الشعر السعودي الحديث " ، أبدعها وهو يجاهر برفض إرتداء اقنعة ظل بعض مثقفين يتداولونها معظم الوقت، فيحجبون االأنظار بضباب وصقيع.. يسمعون الضوضاء فيتحاشونها ، حفاظا على مكتسبات ذاتية محضة. ذاعت القصيدة وطارت بها الركبان ، خلال الثمانينيات ، لحنها شاكر الشيخ .. وتغنى بها عبدالله البريكان ، كلهم " ناسج القصيدة وملحنها ومغنيها " رحلوا ، سبقه الشيخ والبريكان ، ومع رحيل البارحة ، كان محمد العلي ، آخر اللاحقين بهما ، وكأنه يهمس لهما " هانحن جئنا .. ولسنا نريد اللآلي ".

محمد عبد الله العلي " أبو عادل " كنيته الاجتماعية ، المكشوفة لكل العالم ، لكنه في الوقت ذاته " أبو الحداثة السعودية" كنية أعمق قد لا يعرفها أو لا يؤمن بها سوى من فهم بجلاء ماذا تعني الحداثة ، وماذا يفضي إليه تجديد المعنى ونفض الغبار عن الكسل الذهني ، لإشعال حس جمالي يفهم أكثر يعي أكثر وأكثر .

تجلت أبوته للحداثة السعودية بوضوح أنيق حين امتشق قلمه في عام 1989 ، وتصدى بكل ما فيه من معرفة وجسارة لكتاب " الحداثة في ميزان الإسلام " ، في الوقت الذي ، آثر فيه الكثيرون السلامة حينها ، وقت أن كان صوت التطرف هو المهيمن على كل المنابر . فكتب خمس حلقات تحت عنوان " قرءاة ساخنة في كتاب بارد" .. جال بها على كل الصحف والمطبوعات السعودية ، فلم تجرؤ أي منها على نشرها ، لتتلقفها جريدة " الوطن " الكويتية وتنشر أولى حلقاتها يوم الإثنين 13 مارس 1989 . وعلى مدى خمس حلقات فند العلي خطل الكتاب لمؤلفه " السادة" عوض القرني ، وذكر متهكما / موضحا " وأقول السادة لأني مقتنع أن مؤلف هذا الكتاب ليس واحدا ، فأمامي الآن شريط طويل " كاسيت" يحمل نفس المقولات التي وردت في الكتاب ، ويحاكم نفس الأسماء ، ويكرر نفس العبارات ، كما أن أمامي رسالة وجهت لي نسخة منها بالبريد تحمل نفس قناعة الشريط ، وقناعة الكتاب . هذا فضلا عن مجلة " المجتمع " الكويتية التي حملت المصدر نفسه" .

استهل العلي تفنيده بطرح تساؤل منطقي: " كيف يمكن فلإنسان أن يتنتقد شيئا لم يفهمه .. ولم يقراه؟" ..لا فتا إلى أن العنوان الأصلي لبحثه هو " الأذهان المستطرقة" .

ويفكر في غده

بين العلي - رحمه الله - والأذهان المستطرقة مسافة هائلة من الوعي ، تجعلك كلما التقيته تكتشفه أكثر ، ليبدو لك – طبقا للكاتبة المصرية عزيزة فتح الله - أسير شيء يكتمه في داخله ولا يبوح به لأحد. أحاسيسه تتجلى على صفحة وجهه، قليل الحركة، تتحكم فيه مشاعره، وتسيطر عليه أحاسيسه، أسير عواطفه واندفاعات قلبه، سريع الانفعال والغضب، سريع الابتهاج والانشراح، لا يعرف الحقد، طيب القلب، يعيش يومه ويفكر في غده ولا ينسى البارحة، متردد في اتخاذ بعض القرارات وخصوصاً تدوين شعره، يحب الشعر، والقصيدة الجميلة تهز مشاعره وتملأ نفسه نشوة، فيتملكه الفرح ويفرط فيه، أغنية جميلة تملأ قلبه إعجاباً فيتمايل برأسه وجسمه طرباً ومعبراً عن شعوره، تفيض عيناه دمعاً حينما يتأثر بموقف جميل أو يتذكر شيئاً مرّ به .

الراحل كان أحد المثقفين والمبدعين الكبار الذين لا يهابون ، مثلما أنه في الوقت نفسه ، لا تغريه الأضواء وحب الظهور ، فكان لابد أن تظل أبوته للحداثة والتحديث الأدبي ، مخفية/ غائبة عن كثيرين ، عدا عن الذين يتقنون الاقتراب من الجواهر التي ظل على مدى أكثر من نصف قرن ينثرها في زواياه المتعددة ومقالاته الصحفية ، بكل حرفية ومهارة ، كواحد من أبرع الشعراء السعوديين الذين تصدوا لكتابة المقالة والعمود الصحفي ، فمن بامكانه أن ينسى " كلمات مائية" ، " وقوفا بها " عموده الأشهر الذي شهد أوج تألقه في الثمانينينات ، وظل يتنقل به جوهرة ثمينة من مطبوعة لأخرى . أو تلك اللآلي التي تغنى بها في قصائده/ مقالاته/ وكتاباته المعبرة عن أحاسيس وهموم المجتمع!

تقول فتح الله ما يعرفه عنه معظم المثقفين " لا يحب الشهرة واللمعان، بخيل في نظم القصائد رغم أن شعره من أروع الشعر الحديث على الساحة العربية، محمد العلي نفسه قصيدة شعر تجمع أنواع الشعر كله".

الإنخراط في في المنجز

هناك في طرف بواحة الاحساء شرق الجزيرة العربية ، وتحديدا بقرية " العمران " ولد العلي ، وبها نشأ ، وفي كل أطراف الجزيرة كبر وفاض ماء عذبا في الماء الأشد عذوبة.

في يوم ما ، إن رويت " حكاية الحداثة " بشفافية ونزاهة ، وبنأي شديد عن " تضخيم الذات" .. مؤكد أن محمد العلي سيكون أحد متصدري الحكاية ، وبمنتهى اليقين سيكون في طليعة الصفوف التي تميزها صدقية العطاء ، وبهاء الإنخراط في المنجز الذي يستجيب لنبض العصر ، ومتطلبات اللحظة التي " بيننا وبينه " " هذا الضباب الذي يمنح الحلم أشواقه .. يمنح الوهم أجنحة الماء" ..

وها هو يتجلى رحيلا " كنافورة من نخيل " ونحن :

" الزغاريد تشعلها الفاطمات إذا ما أطلوا مع السحب

دانه .. دانه .. لا .. دانه ..

أسمع من ريشه المتقاطر لحناً

وأخيلة تغسل الموت من كل أوهامنا المشرئبة بالخوف

لكنه ذاب في الملح" .

سيرة:

• محمد عبدالله العلي : شاعر ، كاتب ، وناقد.

" 1931- 2026"

• ولد في قرية العمران بالأحساء

• بكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد سنة 1962 ، 1961.

• عمل مدرساً في المدرسة الثانوية بالدمام،

رئيساً لقسم الامتحانات في إدارة تعليم المنطقة الشرقية،

رئيساً لتحرير جريدة اليوم»،

وموجهاً تربوياً في الهيئة الملكية للجبيل وينبع في الجبيل.

• كت في عدد من الصحف و المجلات ،

نشر الكثير من قصائده ومقالاته ودراساته الأدبية في عموم الصحافة اليومية والأسبوعية والشهرية

مثَّل المملكة في العديد من المهرجانات العربية .

• يعد أباً للحركة الشعرية الحديثة في المملكة ، رمزا من رموز التنوير والثقافة .

-----------------------

من مقالاته : ماذا ترى أنت؟

سوطان


قرأت في الجزيرة الثقافية بتاريخ 1998/3/1 سوطين، ارتفعا عاليا، وانقضا على

ظهر الساحة الثقافية مباشرة، وبدون رفيق جفن .

الأول: (من سمات وضعنا الأدبي والفني: العلاقات والمصالح والحسابات الشخصية، والمزايدات الدينية والإقليمية والطائفية والقبلية، وعلى كل ذلك يتأسس كثير من القول، مع الأسف .

إنك ترى في الغالب، إما مديحا لا أساس له، أو حفاوة لا أساس لها، أو تجاهلا لا أساس له، أو أحكاما لا أساس لها، أو تحليلات لا أساس لها، أو تنافسات على الشهرة والتفوق والريادة لا أساس لها، أو مشاحنات لا أساس لها، أو مزاعم لا

أساس لها، أو إذا أردت أن تكون حداثيا,وأنا لا أعرف حتى الآن معنى محددا

واحدا لهذه الحداثة

- ترى أيضا أساسا لا أساس لها..الخ.

الثاني: "(.. الآن وهنا يتبادر إلينا تساؤل: هل من الأفضل حقا للمبدع الأصيل، الفنان الحقيقي والموهوب. . الابتعاد عن الساحة، والزهد في أضوائها لينجز مشروعه الإبداعي بعيدا عن الزيف والضغوط الأخرى المتعددة، ومغريات التوهج النجوي، خاصة إذا عجت الساحة بالخلط بين ما هو أصيل وحقيقي، وبين ما هو سوى ذلك؟!)».

السوط الأول: رفعه الدكتور أحمد الشويخات. وهو مثقف أثبت أنه فارس في ميادين كثيرة، ميدان الإنتاج، وميدان الإبداع، وميدان الوعي النقدي.

أما السوط الثاني: فهو لمبدع شاب، تملؤه الغيرة على الساحة هو محمود تراوري.

السوطان لم يرتفعا في فضاء خيالي، أو مبالغ فيه، ذلك لأن ساحتنا الثقافية هي أكثر من هذا الذي قيل فيها، إنها وريثة ساحة داحس والغبراء، وابنة ( النقائض) التي لا تنازعها هذا الشرف ساحة أخرى، لكن هناك سؤالين :

هل ساحتنا هي الوحيدة في هذا المستنقع؟ ثم ما هي الأسباب ؟ وكيف الخروج من قبضتها؟

إن من يرى مناظرات الفضائيات العربية، ويقرأ ما حدث في كل الساحات الثقافية العربية، وفي أمامها الساحة المصرية، التي قال أحد شعرائها في العقاد:

ورحت ترتع من أحضان غانية

لو أطبقت فخذيها مت من سغب

إن من يرى ويقرأ هذا وذاك لا يقشعر بدنه، ولا ذهنه، مما يحدث على ساحتنا من غتيال العقل ورمي الفكر والصدق بالحجارة.

أما ما هي الأسباب؟ وكيف الخروج من أسرها؟ فهذا له حديث ذو شجون آخر.