أبها: سلمان عسكر

بين ضغط العمليات العسكرية في «فجر اليمن» واتساع الدعوات إلى وقف إطلاق النار، تعود الهدنة إلى واجهة المشهد اليمني، لكن هذه المرة وسط تحذيرات من تحولها إلى فرصة تعيد بها جماعة الحوثي بناء قدراتها وترتيب مواقعها. وفي إفادات خاصة لـ«الوطن»، يقرأ 17 مسؤولا وعسكريا وخبيرا ومحللا مطالب التهدئة من زوايا متباينة، تجمعها المخاوف من وقف المعارك دون ضمانات تمنع التحشيد والتسليح وتجدد الهجمات. ويطرح المتحدثون سؤالا يتجاوز توقيت الهدنة إلى مضمونها: هل تفتح طريقا إلى سلام يحمي المدنيين ويستعيد مؤسسات الدولة، أم تجمد خطوط المواجهة وتترك أسباب الحرب قائمة؟ وتتوزع الشهادات بين قراءة الاستنزاف العسكري ومخاطر التهريب والتحصينات، ثم حسابات الوساطة وحقوق المدنيين والاقتصاد، في محاولة لفهم شروط التهدئة وحدود جدواها.

استنزاف عسكري

يربط الملحق العسكري اليمني في الأردن العميد الركن يحيى علي أبو حاتم مطالب التهدئة بالخسائر التي يقول إن الحوثيين تكبدوها في تعز ومأرب نتيجة الضربات الجوية والمدفعية، وبالضغط المتزايد على الإمدادات والمعدات والوقود. ويحذر من أن أي توقف غير مشروط للعمليات قد يتيح للجماعة تثبيت مواقعها وتعويض خسائرها قبل العودة إلى القتال. ويستعيد تجربة اتفاق ستوكهولم، مشيرا إلى أن بقاء ميناء الحديدة خارج سيطرة الحكومة أتاح للحوثيين الاحتفاظ بورقة استراتيجية مؤثرة في مسار الحرب، في تقديره. ويعتبر أن أمن اليمن والسعودية والملاحة مرتبط بقدرة الدولة على منع استخدام الموانئ والمواقع العسكرية لتهديد الجوار.

ومن زاوية ميدانية، يرى المحلل العسكري العميد محمد الكميم أن تراجع وتيرة الهجمات وصعوبات التعبئة يمثلان مؤشرين على استنزاف المقاتلين والذخيرة، خصوصا في الساحل الغربي وتعز. ويعتبر أن هدف المطالبة بالهدنة ليس إنهاء النزاع بقدر ما هو الاحتفاظ بالمواقع وإعادة التحشيد. ويحذر من أن أي تسوية تتجاهل حصار تعز أو تجعل السيطرة المسلحة أمرا واقعا قابلا للتفاوض ستؤجل المشكلة بدلا من حلها، مطالبا بربط التهدئة بالتزامات واضحة على الأرض. ويشير إلى أن الاحتفاظ بالمواقع في الساحل وتعز يمنح الجماعة إمكانية استئناف الهجمات من نقاط أقرب إلى أهدافها.

منافذ وتحصينات

يركز المحلل العسكري والإستراتيجي العميد الركن ياسر صالح على أثر السيطرة على أجزاء من الساحل الغربي، ويرى أن منافذ الإمداد والموارد المالية تظل عناصر أساسية في قدرة الحوثيين على استعادة قوتهم. ويلفت إلى محدودية إمكانات خفر السواحل والبحرية اليمنية في مواجهة شبكات التهريب، محذرا من وقف إطلاق النار على خطوط السيطرة القائمة دون ترتيبات رقابية فعالة. ويستحضر محطتي نهم والحديدة بوصفهما تجربتين يعتقد أن الجماعة استفادت فيهما من الوقت لتغيير حساباتها العسكرية والسياسية. ومن وجهة نظره، فإن فعالية أي هدنة تتوقف على ضبط المنافذ والحد من تدفق السلاح ومكوناته، لا على وقف إطلاق النار وحده.

ويقدم نائب رئيس شعبة التوجيه المعنوي في محور تعز العسكري العميد عبدالباسط البحر صورة أكثر تفصيلا لما يحدث خلال فترات توقف القتال، مشيرا إلى حفر الخنادق والأنفاق وتوسيع التحصينات وإقامة الموانع الهندسية. ويقول إن هذه الأعمال ترفع كلفة استعادة المواقع عند تجدد المواجهات، بينما تستخدم الجماعة فترات الهدوء في التعبئة والتجنيد والتأثير على الأطفال والشباب داخل مناطق سيطرتها. ويرى أن أي تهدئة جادة ينبغي أن تتضمن وقف التجنيد ومعالجة ملف السلاح وضمان حقوق السكان. ويوضح أن التحصينات الجديدة لا تغير المشهد العسكري فقط، بل تزيد كلفة حماية الأحياء والطرق إذا استؤنف القتال.

ذاكرة الاتفاقات

يضع مستشار مكتب رئاسة الجمهورية الدكتور ثابت الأحمدي عملية «فجر اليمن» في إطار قرار سياسي وعسكري لاستعادة الدولة، معتبرا أن إسناد السعودية للحكومة يمنح المسار الحالي ثقلا مختلفا. ويلخص الهدف الذي يتبناه بعبارة «الهدف النهائي صنعاء»، ويرى أن جوهر القضية يتصل بإنهاء سيطرة السلاح خارج مؤسسات الدولة، لا بمجرد تعديل خطوط التماس. ويشير إلى أن فرص الانخراط السياسي السابقة لم تفض، في تقديره، إلى إنهاء أسباب الصراع. ويقدم استعادة القرار السيادي ومؤسسات الدولة باعتبارهما المعيار السياسي لأي تسوية، مهما تعددت صيغ الوساطة.

ومن ذاكرة صعدة، يستعيد عبدالسلام الشرفي، أحد أبناء المحافظة، الهدن التي رافقت الحروب الست منذ عام 2004، ويرى أنها تحولت مرارا إلى فترات لإعادة ترتيب الصفوف. ويمر بمحطات الحوار الوطني واتفاق السلم والشراكة ومشاورات الكويت واتفاق ستوكهولم وهدنة 2022، لافتا إلى أن تكرار الاتفاقات دون معالجة مسألة السلاح أبقى احتمالات التصعيد قائمة. ويعتقد أن اتساع مناشدات التهدئة يعكس ضغوطا جديدة على الجماعة، لكنه يحذر من تكرار التسويات المؤقتة. ويؤكد أن خبرة السكان مع دورات القتال والتهدئة تجعل الضمانات العملية أهم من التعهدات التي لا تصاحبها خطوات قابلة للتحقق.

حسابات إقليمية

يربط المحلل السياسي خالد بقلان التحرك الحوثي بحسابات إيرانية أوسع، ويعتقد أن الجماعة تسعى إلى تثبيت مواقعها في الساحل الغربي وصولا إلى محيط باب المندب، واستثمار القلق الإنساني الدولي للحصول على مكاسب سياسية. ويشير إلى ارتباط توقيت المناشدات بتوقعات تتعلق بالسياسة الأمريكية تجاه طهران، لكنه يضع ذلك في إطار قراءته السياسية لا باعتباره قرارا معلنا. كما يرى في التغييرات الحكومية والعسكرية الأخيرة محاولة لتعزيز قدرة الحكومة على إدارة المواجهة. وبالنسبة إليه، فإن تدويل طلب الهدنة يهدف أيضا إلى تغيير موازين الضغط الدبلوماسي في توقيت حساس من الصراع.

أما المحلل السياسي الدكتور عبدالملك اليوسفي فيقرأ الضغوط عبر ثلاثة مستويات: الميدان والتنظيم والإعلام. ويستشهد بما يصفه بصعوبات التحشيد والضغط على القيادات والإمدادات، إلى جانب روايات عن اعتقال عقال حارات واعتداءات على رافضين للذهاب إلى الجبهات. ويرى أن هذه المؤشرات تفسر البحث عن وساطة سريعة، ويستنتج وجود تقاطع مصالح لدى أطراف إقليمية ودولية متضررة من تهديدات الملاحة، مع التأكيد أن هذا التقاطع تقدير تحليلي لا يمثل اتفاقا معلنا. ويضع تطور الخطاب الإعلامي للجماعة ضمن مؤشرات الحاجة إلى إعادة صياغة رسائلها أمام الخارج والداخل.

شرعية الدولة

يرى الصحفي فؤاد المنصوري أن أحد أهداف خطاب التهدئة هو نقل توصيف الأزمة من انقلاب مسلح على مؤسسات الدولة إلى نزاع بين أطراف متكافئة، بما يفتح باب الاعتراف بالأمر الواقع. ويستند في موقفه إلى قرار مجلس الأمن 2216، محذرا من تسوية تمنح السلاح خارج الدولة غطاء سياسيا. ويشدد على أن السلام المستدام يتطلب استعادة المؤسسات وتوحيد القرار الأمني والعسكري، مع إيجاد ضمانات تحول دون تكرار المواجهات. ويرفض أن تكون المفاوضات بديلا عن تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالسلاح وعودة السلطة العامة إلى مؤسساتها.

ويضيف رئيس مجلس إدارة مؤسسة الثورة للصحافة والطباعة والنشر ورئيس تحريرها سام الغباري بعدا إنسانيا، إذ يقول إن المعاناة الناتجة عن القصف والحصار والتجويع قد تتحول إلى وسيلة ضغط للحصول على تهدئة لا تعالج أسبابها. ويدعو إلى التمييز بين الحاجة الملحة إلى حماية المدنيين وبين استخدام مطالب الإغاثة لتثبيت مكاسب عسكرية. ويرى أن الدور الدولي ينبغي أن يجمع بين وقف الانتهاكات ودعم مؤسسات الدولة وملاحقة مصادر التهريب والتمويل. ويؤكد أن معالجة الأزمة الإنسانية لا ينبغي أن تتحول إلى مقايضة صامتة تتجاهل مسؤولية الأطراف عن انتهاكاتها.

اختبار دولي

تفسر المتخصصة في العلاقات الدولية والدبلوماسية زهراء باعلوي مخاطبة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي بمحاولة توسيع دائرة الاهتمام بالملف اليمني. فالأمم المتحدة معنية بالوساطة، والاتحاد الأوروبي بأمن التجارة والملاحة، والاتحاد الإفريقي بأمن القرن الإفريقي والبحر الأحمر. وترى أن تزايد المخاوف الإنسانية قد يولد ضغوطا نحو وقف القتال، لكنها تشدد على ضرورة تقديم الحكومة رؤية واضحة تجمع حماية المدنيين ومعالجة جذور النزاع. وتشدد على أن الرسائل الموجهة لهذه المؤسسات تختلف باختلاف أولويات كل منها، ما يستدعي خطابا حكوميا يقدم وقائع موثقة وحلولا قابلة للتطبيق.

ويعتبر الناشط السياسي طعيمان جعبل طعيمان أن الحكم على أي تحرك دولي يجب أن ينطلق من طبيعة الاتفاق وضماناته، لا من مجرد الإعلان عن وقف إطلاق النار. ويحذر من ترتيبات تبقي الجماعة محتفظة بسلاحها ومواقعها دون التزامات قابلة للتنفيذ، بما يفتح الباب أمام جولة جديدة. ويدعو إلى جعل استعادة مؤسسات الدولة وحماية السكان وفتح الطرق عناصر أساسية في أي تفاهم. ويشدد على ضرورة تحديد آليات التنفيذ والمراقبة منذ البداية، لأن البنود العامة وحدها لا تكفي لمنع الخلاف بشأن تفسير الاتفاق.

ويرى المحلل السياسي عادل الشجاع أن الخطاب الحوثي يستند إلى مفردات القانون الدولي والجانب الإنساني لتحسين صورته الخارجية، بينما ينبغي قياس جديته بسلوكه تجاه حصار تعز وتجنيد الأطفال وتنفيذ القرارات الدولية. ويتوقع أن تتمحور استجابة جهات دولية حول حماية المدنيين وخفض التصعيد، لكنه يؤكد أن جدوى ذلك مرهونة بفتح الطرق وتخفيف القيود المفروضة على السكان، لا بالاكتفاء ببيانات سياسية. وينبه إلى أن مصداقية أي دعوة إنسانية تتراجع إذا استمرت القيود التي تزيد معاناة المدنيين.

ويستحضر الصحفي والمحلل السياسي أنور الأشول الموقف الأوروبي الصادر في 2 نوفمبر، قائلا إنه تضمن إدانة للهجمات الحوثية ودعما للحكومة اليمنية. كما يشير إلى بيان رئاسي لمجلس الأمن في 15 أكتوبر بشأن التصعيد والتهديدات للملاحة والسعودية. ويرى أن قيمة تلك المواقف تتحدد بتحويلها إلى إجراءات لحماية الممرات البحرية والمدنيين، ومنع الاعتداءات ورفع الحصار، بدلا من الاكتفاء بالمطالبة العامة بالتهدئة. وفي قراءته، فإن الاختبار الحقيقي للمواقف الدولية يبدأ عند الانتقال من الإدانة إلى دعم إجراءات تضمن سلامة السكان وحركة السفن.

حقوق ومعيشة

يجعل رئيس الشبكة اليمنية للحقوق والحريات المستشار محمد العمدة حقوق المواطنين معيارا للحكم على أي هدنة. ويطالب بالتزامات تشمل وقف الهجمات وفتح الطرق وإيصال المساعدات والإفراج عن المحتجزين تعسفيا، مع آليات رقابة تمنع العودة إلى التصعيد. ويربط بين استمرار التجنيد وكلفة الحرب على الأسر اليمنية، ويرى أن نجاح أي مسار سياسي يستلزم الجمع بين استعادة مؤسسات الدولة وحماية الحريات وتحسين الظروف المعيشية. ويحذر من أن تجاهل الضحايا والمحتجزين والنازحين في الترتيبات السياسية سيترك أسبابا جديدة للتوتر حتى مع توقف المواجهات.

وفي الجانب الاقتصادي، يلفت الخبير الاقتصادي ورئيس قسم العلوم المالية والمصرفية بجامعة حضرموت محمد الكسادي إلى أهمية الوقود والإمدادات في استمرار العمليات العسكرية. ويستشهد بالضغط على منشآت الطاقة، ومنها رأس عيسى، بوصفه عاملا يؤثر في حسابات الأطراف، لكنه يدعو إلى فهم هذه التأثيرات ضمن الكلفة الأوسع للحرب على الاقتصاد والخدمات. ويؤكد أن القرارات العسكرية تنعكس أيضا على سلاسل التوريد والأسعار وحياة السكان. وينبه إلى أن أي حساب لمكاسب الضغط العسكري يصبح ناقصا إذا أهمل تأثيره على احتياجات المدنيين الأساسية.

أما مستشار وزير الصناعة والتجارة والمحلل الاقتصادي محمد الجماعي فيحذر من المبالغة في الحديث عن انهيار وشيك دون أرقام موثقة. ويوضح أن شبكات التمويل والاقتصاد الموازي قد تتكيف مع الضغوط، عبر الجبايات والتحكم بتدفق السلع والوقود ونقل أعباء المواجهة إلى المواطنين. ولذلك يرى أن قياس قدرة الحوثيين على مواصلة القتال يتطلب تتبع الموارد ومسارات الإمداد لا الاكتفاء بقراءة الخطاب السياسي. ويخلص إلى أن أي هدنة لا تقترن برقابة على التمويل وحماية معيشة السكان قد تخفف الضغط العسكري مؤقتا، لكنها تترك أدوات استمرار الحرب قائمة. ويقترح اعتماد مؤشرات يمكن تتبعها، مثل تدفقات الوقود والجبايات وحركة السلع، قبل إطلاق أحكام قاطعة عن حجم الاستنزاف.