كيف سيتحول تحسّن الظروف المعيشية للموظفين إلى عبء على برامج التقاعد والتأمينات الاجتماعية؟ وهل ستتمكن تلك البرامج من الوفاء بالتزاماتها تجاه المتقاعدين، خاصة خلال الأزمات الاقتصادية؟
كم من الموظفين حاولوا الحصول على معاش تقاعدي ولكنهم فوجئوا بالرفض لسبب فني أو آخر، إما لأنهم لم يستوفوا المدة المطلوبة، أو لأن جزءاً من خدماتهم لم يُحسب لأغراض التقاعد لسبب ما، أو لأن جزءاً منها كان خارج نطاق أحد نظامي التقاعد (معاشات التقاعد لموظفي الدولة والتأمينات الاجتماعية لمن سواهم)، أو كليهما، أو أن خدمتهم كانت موزعة على النظامين، لكنهم لم يتمكنوا من ضم خدماتهم فيهما بما يمكنهم من الحصول على معاش تقاعدي؟
وكم من الموظفين يقلق بأن معاشه التقاعدي – عندما يحصل عليه فعلاً – سيكون كافياً لاحتياجاته في خريف حياته واحتياجات أسرته بعد وفاته؟
أكاد أجزم بأنهم كثيرون، ليس فقط لدينا بل العالم أجمع.
ومع أن مثل هذه الأسئلة تقضّ مضاجع أصحابها، وتبعث على القلق والاستياء، إلا أنها تُعتبر مشاكل يسيرة نسبياً مقارنةً بالأزمة المستقبلية التي يتوقعها الخبراء في ملاءة كثير من برامج التقاعد والتأمينات الاجتماعية، في معظم أنحاء العالم، لأسباب ديموغرافية وأكتوارية عديدة، فضلاً عن التقلبات الاقتصادية وتأثيرها على مردود استثمارات تلك البرامج، والأخطاء الشائعة في قرارات الاستثمار فيها.
ومن حسن الحظ أن الأزمة على صعوبتها ليست مستحيلة الحل. ولأن لدينا فسحة من الوقت قبل وقوع الأزمة، من الأفضل وضع الحلول الآن. وكما قال الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون لدى مناقشة أزمة التأمينات الاجتماعية في الولايات المتحدة منذ سنوات، فإن من الأفضل أن نصلح السقف والشمس ساطعة بدلاً من الانتظار إلى أن ينهار السقف وقت العاصفة وتصبح فرصة إصلاحه أكثر صعوبة.
ويمكن إرجاع الأزمة المستقبلية في برامج التقاعد والتأمينات إلى عدة أسباب أهمها:
1. العامل الديموغرافي: يُشكل هذا العامل التحدي الرئيسي لبرامج التقاعد والتأمينات، ويتعلق بنسبة عدد العاملين الذين يدفعون حصتهم الشهرية في تلك البرامج إلى عدد المستفيدين منها الذين يتقاضون معاشات منها. ففي الوقت الحاضر (في دول مجلس التعاون) هناك نحو خمسة موظفين على رأس العمل مقابل كل صاحب معاش، لكن هذه النسبة ستنخفض خلال العقدين القادمين إلى نحو ثلاثة موظفين لكل صاحب معاش. والفرق الكبير بينهما يعني عبئاً مضاعفاً على برامج التقاعد.
2. العامل الأكتواري: يـُشير بشكل أساس إلى زيادة العمر المتوقع لأصحاب المعاشات. فمن حسن حظ مواطني دول المجلس أن العمر المتوقع ارتفع بنسبة كبيرة (نحو 20% خلال جيل واحد)، نتيجة تحسّن الظروف الصحية والطبية للمنطقة والعالم. وهذا أمرٌ محمود، وإن كان يعني عبئاً إضافياً على برامج التقاعد والتأمينات التي تم تصميمها خلال فترة سابقة.
3. عامل التضخم وانخفاض القيمة الشرائية: تظل شريحة المتقاعدين أكثر الفئات تضرراً من عاملي التضخم وانخفاض القيمة الشرائية للعملة، سواءً في حالات التخفيض الرسمي أو الفعلي للعملة مقابل العملات الأجنبية.
4. التقلبات الاقتصادية وتأثيرها على مردود الاستثمار: عانت برامج التقاعد والتأمينات الاجتماعية من الأزمة المالية الحالية بشكل متفاوت من دولة إلى أخرى، حسب سياساتها الاستثمارية والظروف الاقتصادية التي تمر بها كل دولة.
5. الكفاءة في برامج الاستثمار: مع الأسف لا تشتهر برامج التقاعد والتأمينات الاجتماعية – مع بعض الاستثناءات المهمة – بكفاءتها في الاستثمار أو الإدارة، خاصة في الحالات التي تغيب فيها الشفافية، أو التي لا رقابة مباشرة من أصحاب الشأن على أدائها.
وهناك حلول جاهزة لدى البعض لحل الأزمة المتوقعة في برامج التقاعد والتأمينات، تتراوح بين ثلاثة أقطاب:
- زيادة موارد تلك البرامج عن طريق زيادة حصـة الموظف التي يساهم بها في البرنامج، أوحصة صاحب العمل، أو كليهما، أو تقديم دعم حكومي لها.
- تخفيض المزايا التي تقدمها برامج التقاعد والتأمينات الاجتماعية للمستفيدين، لتمكينها من الوفـاء بالتزاماتها.
- تخصيص تلك البرامج، بأن توكل إدارتها إلى البنوك والمؤسسات المالية الأخرى، بإشراف مباشر من الموظف المعني.
ولكـل من هذه الحلول مـزايا وعيوب، مما يجعل من الصعب تبني أي منها، فالحل الأول مكلف للموظـف وصـاحب العمل والحكومـة، يـُضعف من تنافسـية الاقتصاد، ولا يعطي لتلك البرامج حافزاً لتحسين أدائها. والحل الثاني يعني تخفيض مسـتوى المعيشة للمتقاعـدين ومن يعـولـونهم. أما الحـل الثـالـث فلا يتلاءم إلا مع القلة القادرين عـلى إدارة برامجهم التقاعدية بأنفسهم، فضلاً عن أن ثقة كثيرين بالبنوك محـدودة.
ولذلك فإن الحل المطلوب ليس جـاهزاً مع الأسف، ويتطلب الكثير من البحث والنقاش الهادئ. وربما كان مجلس الشورى، وغالبية أعضائه من المتقاعدين كما أظن، مكاناً مـلائماً للبحث عن الحل، والذي قد يكون مزيجاً سلساً من هـذه الأقـطاب الثلاثة التي ذكرتها.