إن المجتمع الذي يخشى المرأة، ويخشى من نجاحها السريع في معظم الميادين، حفاظاً على مراكز الذكور، وتصدر وقيادة الذكور لنشاطات المجتمع، هو المجتمع الخائف، والمتردد
في الأزمنة السابقة، عندما كان للمرأة دور محدود في الحياة لا يتعدى باب البيت، ويقتصر على العمل بالمنزل، وتربية الأطفال، والقيام بدور الخَلف والعَلف للأسرة، كان يُنظر إلى المرأة دائماً بأنها هدف ومطلب جنسي ولا شيء آخر، وبأن خروجها من البيت يُشكِّل خطورة على قيم المجتمع الأخلاقية التقليدية، لأن تكون هدفاً ومطلباً جنسياً، يتصارع الذكور في المجتمع على الفوز به، والنيل منه.
كيف كسرت المرأة القيود؟
ولكن المرأة، عندما بدأت في المشاركة في الحياة العامة وتولّي قسط معين من المسؤولية في المجتمع، وفي أماكن محدودة، بدأت الحساسية تجاه وجود المرأة خارج البيت تخفّ. وبدأت هذه الحساسية تخفُّ أكثر فأكثر، عندما بدأت المرأة تتعلم، وتفوز بالدرجات العلمية، وتشغل مناصب رفيعة في مجالات واسعة في المجتمع. ولم تعد المرأة مجرد هدف ومطلب جنسي خالص، لا تصلح إلا له. أصبحت المرأة تعمل في المجتمع، كما يعمل الذكور، وتنتج كما ينتجون، وتبني المجتمع وتدفع بتقدمه كما يبنيه الذكور ويدفعونه إلى التقدم. فبتعليم المرأة وبإفساح مجال العمل نحوها، خفَّت تلك النظرة الضيقة للمرأة في كثير من المجتمعات، كما خفَّ الخوف من المرأة وعليها. ولم يعد ظهور المرأة خارج بيتها أمراً مستغرباً، وحدثاً استثنائياً. وقد كان المتشددون الدينيون في الماضي على حق، عندما اعتبروا تعليم المرأة هو الطريق المؤدي إلى خروجها من بيتها وتحريرها، من أغلال تكريسها للخلَف والعلَف فقط. فأدى تعليم المرأة إلى تحريرها، وأدى تحريرها إلى مشاركتها في بناء المجتمع مشاركة فعلية، بالعمل الجاد والمثمر في هذا المجتمع. فخفَّت فوبيا المرأة والخوف منها وعليها. حيث أصبحت المرأة قادرة على حماية نفسها من الشرور. ولم تعد أمام الذكر ذلك الإنسان الضعيف المكسور الجناح، كما كنا نصوّرها. كما لم يعد الذكر ينظر إليها على أنها هدف جنسي فقط، وأن مكانها البيت فقط وليس المجتمع الرحب، ومشاركتها للذكر في بناء المجتمع. فبعد أن كانت المرأة شريكة الرجل في البيت، أصبحت شريكة له خارج البيت أيضاً.
الحضن الآمن في البيت والمدرسة
دلّت الدراسات النفسية والتربوية في دول العالم المختلفة أن الطفل يظل متعلقاً بالمرأة كأم حتى سن التاسعة أو العاشرة من عمره، حيث يبدأ هذا التعلق يخفُّ كلما كبر الطفل، وزحف نحو سن البلوغ، لكي يبدأ تعلّقه بالمرأة كأنثى، وليس كأم كما كان تعلّقه بها حتى سن التاسعة أو العاشرة. وكان الأطفال في كثير من المجتمعات هدفا جنسيا لبعض الذكور، ولم يُستثنَ من هؤلاء بعض رجال الدين. وقد قرأنا الكثير من أخبار الاعتداءات الجنسية على الأطفال من قبل رجال الكنيسة، واعتذار بابا روما مؤخراً عن هذه الاعتداءات الفاضحة والمخجلة. ومن الملاحظ عامةً، وحسب دراسات وإحصائيات مختلفة ومتعددة، أن نسبة حوادث الاعتداء الجنسي على الأطفال أكثر في المجتمعات المغلقة والفقيرة، وذات العادات والتقاليد المتشددة، فيما يتعلق بتموضع المرأة في المجتمع منها في المجتمعات المنفتحة. وما الاعتداءات الجنسية على الأطفال التي ارتكبها رجال الكنيسة في الماضي والحاضر إلا نتيجة للتشدد الديني، والحرمان الجنسي الذي يعاني منه رجال الكنيسة. فهناك طاقة غريزية جنسية، إن لم يتم تفريغها في الزواج، وفي علاقة الرجل بالمرأة، فإنها ستذهب إلى طريق الفاحشة، ولا طريق للفاحشة في هذه الحالة إلا الأطفال، وفي بعض أرياف وقرى بعض المجتمعات في الحيوانات كذلك. وكلما ارتقى المجتمع، ارتقت معه العلاقة الجنسية أيضاً. ورجال الكنيسة الذين ارتكبوا الفاحشة كانوا في حقيقة الأمر يعيشون في مجتمعات منفتحة ومتقدمة خارج الكنيسة، ولكن مجتمعهم الصغير داخل الكنيسة كان منغلقاً ومتشدداً، ويعزل المرأة عزلاً تاماً، فوقعت الفاحشة في الأطفال. وهو ما يشير على أنه كلما زاد الانغلاق والتشدد، زادت نسبة الفواحش الجنسية، والعكس كذلك.
خطوات لحماية أطفال المدارس
كثير من دول العالم فهمت وأدركت هذه المقولات، وهذه الأحداث. وأخذت بخطوات كثيرة لحماية الأطفال من الاعتداءات الجنسية خارج بيوتهم وخاصة في مدارسهم ومنها:
1- العمل على مصاحبة المرأة للطفل خارج المنزل في رياض الأطفال، وفي المرحلة الابتدائية، كالقيام بدور الإشراف، والتربية والتعليم، في هذه المراحل.
2- إبعاد الذكور عن الأطفال، حتى ولو كانوا من أصحاب الفضيلة، والمتدينين من كافة مرافق المدارس في هذه المرحلة، كالمشرفين، والإداريين، والسائقين، وغيرهم من العمال في المدارس. فقد أثبت علم النفس أن الأطفال في هذه المرحلة، من الصعب أن يدافعوا عن أنفسهم عند تعرضهم للاعتداءات الجسدية أو الجنسية. ويصبح الطفل مستسلماً لأي إغراء، أو إغواء، أو تهديد. فعمدت بعض الدول إلى تعيين سائقات بدلاً من سائقين لوسائل النقل المدرسي، وحارسات بدلاً من حراس، وهي الطبقة التي يكثر منها الاعتداء الجنسي على الأطفال.
3- العمل على أن تكون المرأة هي الأم في البيت والمدرسة، خاصة بالنسبة للأطفال في هذه المرحلة من العمر. فـماما فاطمة – مثلاً – عندما تكون في البيت وفي المدرسة أيضاً، يشعر الطفل نحوها بالأمن والأمان والحنان، وتتمثل أمامه في المدرسة صورة أمه، وحضنها الدافئ الحنون، وتبتعد عنه أخطار الاعتداءات الجسمية والجنسية من الذكور، الذين يكون قربهم من الأطفال، بمثابة وضع البنزين قرب النار.
4- لماذا نفترض المفسدة دائماً من وجود المرأة بقرب الأطفال في المدارس ولا نفترض المفسدة من وجود الرجل؟ لقد أثبتت الحوادث أن المفاسد تأتي دائماً من الرجال مع الأطفال ذكوراً وإناثاً حتى وإن كانوا من رجال الدين، كما قرأنا في فضائح رجال الدين المسيحي مع الأطفال. ولكن المرأة – وللأسف الشديد - هي التي تتحمل دائماً وزر الفحشاء، على مر التاريخ في حين أن الرجل هو الذي يفوز بالمتعة الرخيصة. ولم نسمع بلوم الرجال. فلا رجال عواهر في التاريخ، بينما هناك نساء عاهرات كثيرات. وأقسى ما نُعت به الرجال أنهم أزيار (جمع زير) النساء!
علم المرأة مفتاحها لكل الأبواب
إن المجتمع الذي يخشى المرأة، ويخشى من نجاحها السريع في معظم الميادين، حفاظاً على مراكز الذكور، وتصدر وقيادة الذكور لنشاطات المجتمع، هو المجتمع الخائف، والمتردد، والرافض لاعتماد إشراف، وإدارة، وتربية وتعليم الأطفال في المرحلة الابتدائية. وكلما اطمأن المجتمع إلى سلامة سلوك المرأة ووثق ثقته بها، وبعلمها، وعملها، ازداد فتح أبواب العمل لها. وعلى المرأة في هذه الحال أن تتسلح بسلاح قوي وفعّال وهو العلم والخبرة، لكي تستطيع شق طريقها وسط هذه الأكوام الهائلة من الأشواك المختلفة، وهذا الكم الكبير من الحفر والمطبات والألغام، المزروعة في طريق تقدمها.