ذات يوم مغرق في القدم تكنولوجيا، كان هناك حالة من الجفاء بين الكاتب و'الكيبورد'

ذات يوم مغرق في القدم تكنولوجيا، كان هناك حالة من الجفاء بين الكاتب والكيبورد التي عُرّبت إلى لوحة المفاتيح.. فالكتّاب ألفوا القلم والورقة وبمرور الزمن باتت العلاقة بين الثلاثي وثيقة قد تفوق بقوتها علاقة الزواج.. فالزواج قد يحدث فيه انفصال، أما الكتابة فلا يمكن للكاتب أن ينفصل عنها إن لم يجبره أحد على ذلك.. وهناك في دول العالم الثالث وغير الثالث من اضطروا للصمت نتيجة قمع أو ضغط من نظام ما، لكنهم استمروا يكتبون دون أن يخبروا أحدا..
اليوم، وبرغم أن الكثير من الدول أدركت أن القمع الفكري لم يعد يجدي مع التطور التقني.. فالكاتب يستطيع تمرير أفكاره باسمه الصريح - إن لم يخَفْ – أو باسم مستعار، أو يرسل كتاباته إلى الأصدقاء عبر البريد الإلكتروني، إلا أن البعض ما زال يصر على المراقبة. وقد يكون هذا الأخير جاهلا بما وصل إليه العالم من تطور برمجي، فالكاتب مثلا يستطيع إنشاء أكثر من بريد إلكتروني خاص به يخزّن فيه كتاباته في ملفات يعرفها، وهو بإمكانه إرسالها متى شاء بعد ذلك للنشر في أي مكان.. ويستطيع أيضا السفر من دولة إلى أخرى بدون أوراق خطيرة، فكتاباته التي يخافونها قد وضعت في ملفات يحتويها الفضاء الإلكتروني ولا أحد يعرف بها أو يصل إليها سواه.
الزمن تغير وتطور، ومن يريد أن يكتب سيكتب حتى وإن قمعوه وصادروا أفكاره إن كانت غايته نبيلة، والتاريخ هو الحكم.. والحالة التي يحلم المبدعون في كل جهات الأرض بالوصول إليها هي التناغم مع الإنسان والمكان.. وتبقى الغاية هي التنوير والتطوير وتحقيق الرقي الفكري الذي يساعد على النهضة الحضارية.. ويبقى الحلم في العالم بأسره مجتمعا آمنا مسالما حضاريا تتوفر لكل أفراده سبل العيش الكريم.. وهنا تكمن أهمية التعاون بين الجميع في مختلف الأمكنة القيادية وغير القيادية والشعبية للوصول إلى ذاك الحلم.
الزمن تغير وتطور.. ولوحة المفاتيح الكبيرة صارت أصغر حجما، وصار الكاتب يحمل هاتفا محمولا مزودا بلوحة مفاتيح، ومن خلالها يمرر أفكاره - وقت تجيء - إلى ملفات داخل هذا الهاتف.. ويرسلها من أي مكان إلى حيث يريد..
لوحة المفاتيح هذه.. قد تستخدم للبناء وقد تستخدم للهدم. ولأن الهمّ الرئيس للمبدعين هو البناء كما يفترض.. فالمنطق يقول إن الـكيبورد إن أجدنا صياغة حروفنا عليها تقدر أن تسافر بنا إلى حيث تكمن فضاءات أمانينا.. وعبرها نكتب عن الإنسان وهمومه.. ونحلّق بأخيلتنا، وربما نتمرد.. وربما ننثر رياحين عشقنا.. وربما.. وربما.. وبرغم كل ذلك فهي مجرد لوحة مفاتيح..