الحقيقة والمصداقية نسبيتان دائماً ولكنهما يجب أن تخضعا للعقل في كل الأحوال، فمثل هذه (الأسطوريات) التي أشرنا إليها موجودة في تراثنا، ويعاد إنتاجها بشكل مستمر

في موقع (يوتيوب) للمقاطع المصورة على الإنترنت، يظهر شيخ مصري غير معمم يخطب الجمعة فيورد قصة أسطورية قال إنها عجيبة، وكرر هذه الكلمة عدة مرات، ملمحاً إلى أنه لم يأتِ بها من عندياته، بل نقلها عن ابن خلِّكان في كتابه وفيات الأعيان، وعن ابن كثير في البداية والنهاية، وعن ابن العميد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب، والقصة بحسب رواية ابن خلكان (جـ3، ص317) في باب حوادث سنة خمس وستين وستمائة، إذ قال: بلغنا عن جماعة يوثق بهم وصلوا إلى دمشق من أهل بصرى، أن عندهم قرية يقال لها دير أبي سلامة وأن بها رجلا من العربان فيه استهزاء زائد بالدين (استهزأ ذات مرة باستخدام السواك) فما لبث أن شعر بآلام مبرحة استمرت تسعة أشهر، وبعدها وضع حيواناً على هيئة جرذون رأسه مثل رأس السمكة وله أربعة أنياب... فلما وضعه صاح الحيوان ثلاث صيحات فقامت ابنة الرجل فشجت رأسه فمات، وعاش الرجل بعده يومين ومات وهو يقول: هذا الحيوان قتلني وقطّع أمعائي، وشاهد ذلك الحيوان جماعة من تلك الناحية وخطيب المكان.
ومن يبحث يجد، في مصادر أخرى، قصصاً مشابهة، منها على سبيل المثال لا الحصر ما ذكره أبو داود السجستاني في سننه، إذ كان في أصحاب الحديث رجل ضليع ، إلى أن سمع بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع فجعل في عقبيه مسامير حديد وقال أريد أن أطأ أجنحة الملائكة. قال فأصابه داء الأكلة في رجليه! وهذه القصة ذاتها مذكورة بصيغ مختلفة في مصادر أخرى.
هذه نماذج من بعض الكتب الشهيرة في تراثنا بحاجة إلى نقد، وأعتقد أن أولى خطوات النقد هي التحقق من صحة مرويات الزمن الماضي، بإخضاعها إلى منهج علمي لفحص مدى مواءمتها للعقل. فالنقد يكون بالشك في صحتها كخطوة أولى، ثم البحث والتحقق منها وفق المنهج؛ ولذلك شكّك أهل الحديث في كثير مما نسب إلى السنة النبوية وقسموه إلى موضوع وضعيف وحسن وصحيح. فبعض المرويات التاريخية، يتناقلها الشُرّاح كما جاءت عن المؤلفين بشكلها الأسطوري المستمد من التكوين الثقافي العام، وهذه الروايات ليست حقيقة دائماً، بل يدخل فيها التأثير (الميثيولوجي) و(الأيديولوجي)، وهذا ما يدفعنا إلى القول إن ثقافتنا أسطورية، أي ما زالت الأسطورة فيها تلعب دوراً كبيراً، وتلقى استحساناً ورواجاً، فتسري في الأوساط الاجتماعية سريان النار في الهشيم.
وعلى الرغم من أن نقد مثل هذه القصص والمرويات التاريخية، أو نفيها أيضاً، لن يؤدي إلى المروق من ربقة الدين كما يعتقد البعض أو يشيع آخرون، فهذه المرويات لا تختلف عن القَصص الشعبي أو حتى عن الحكايات الواردة في الأدب العربي القديم، كما في كتاب ألف ليلة وليلة وغيره، إلا أن الفارق الخطير هو دخول الموضوع الديني كوسيلة عبر هوامش أكثر من المتون، وخاصة حين يدخل فيها عنصر (التخويف) بهدف التأثير الاجتماعي، ولا سيما أنّ القصص المستخدمة لا يصدّقها العقل، إنما تأتي لأهداف وغايات قصدَها أولئك الذين جاؤوا بها، فوصلت إلينا دون نقدها والتفكير بمدى نسبة الحقيقة فيها، حيث نقلها رواة عن آخرين، على علاّتها، قبل التثبت من مصداقيتها، فالحقيقة والمصداقية نسبيتان دائماً ولكنهما يجب أن تخضعا للعقل في كل الأحوال، فمثل هذه (الأسطوريات) التي أشرنا إليها موجودة في تراثنا، ويعاد إنتاجها بشكل مستمر، سواء بترديد الخبر أو باختلاق أخبار جديدة معاصرة تناسب عصرنا الذي نعيش فيه، إذ غالباً ما يردد الناس سمعنا كذا وقيل كذا فتتم إضافة الهالات الأسطورية على الخبر أو القصة، لتأخذ مداها في الانتشار، ونظراً لكون الدين جزءا مهما ومؤثرا في الثقافة فإن كل الموضوعات التي تأخذ صبغة دينية معينة تؤثر مباشرة في الأذهان، فيُعتقد أن مناقشتها والتشكيك في صحتها هي تشكيك في (الدين) ذاته، وهذا غير صحيح، إنما هو نتيجة لخلط بين التاريخي والديني، وبالتالي فإننا يجب أن نحدد الثوابت لنفصل بينها وبين الثوابت الواهية. إلا أننا ما زلنا نصطدم بإشكالية أن من يحاول التشكيك بصحة مثل هذه القصص فإنه عرضة للاتهام، وخاصة إذا انطلق من وجهة نظر نقدية علمية.
فعلى سبيل المثال: اشتهر في التاريخ الإسلامي أن الجن قتلت سيد الخزرج الصحابي الجليل سعد بن عبادة، رضي الله عنه، وهو في طريقه إلى الشام، وقالوا شعراً في ذلك (قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة * ورميناه بسهمين فلم نخط فؤاده). وفي زمن السابقين لم يكن هناك نقد صريح لهذه الحادثة، إذ يشير ابن تيمية، رحمه الله، لها بقوله وقد رويَ أن الجنّ قتلته، ولكنه أشار في موضع آخر بقوله وكثير من الناس قتلته الجنّ. غير أن المناهج الحديثة للبحث التاريخي أتاحت مجالاً واسعاً للنقد، فهذا هو طه حسين، رحمه الله، يحاول التنبيه إلى عدم صحتها، بعد أن استند على المنهج الديكارتي محاولاً اعتماده في كتابه المثير (في الشعر الجاهلي) الصادر عام 1926 والذي حوكم بسببه لاحقاً وأجبر على تنقيحه وفق ما يريد مناوئوه. للمزيد حول قصة الجرذون: http://www.youtube.com/watch?v=epfiGy7wajw