الفكر حين يتحول إلى سلطة يتوقف عن النمو فمعادلته الآن لم تعد معادلة المعرفة والعلم بل معادلة السلطة والمحافظة على السيطرة والإمساك بالمصالح المكتسبة وهذا قاتل لنمو الفكر

لكل الأفكار الحق في الوجود والتعبير والعمل. هذا هو منطق العدل والحرية والمساواة. من جهة أخرى ليس لفكر واحد أن يمارس سلطته على الأفكار الأخرى ويمارس الحجر عليها. في الساحة المحلية يعتقد كثيرون أن الدعوة لحرية التعبير والتفكير تعني ألا يقول أحد شيئا عن أي أحد. أي أنه حين يوجه فرد ما نقدا لفكر آخر فإن الاعتراض يرتفع عليه كالتالي: أنت تدعو لحرية التفكير والتعبير فكيف تنتقد أو تهاجم الفكر الفلاني؟ هنا نحن أمام إساءة فهم لمعنى حرية التعبير أو محاولة للالتفاف عليها لاستخدامها كوسيلة قمع أخرى. فحرية التعبير تعني أن لكل فرد الحق بأن يعترض على الأفكار الأخرى وينتقدها بل ويهاجمها هجوما فكريا. غير المقبول هو أن يطالب شخص أو يسعى لحرمان طرف آخر من التعبير ويمارس الحجر عليه وقمعه.
قضية أخرى مهمة وهي التفريق بين الفكر وسلطة الفكر. أي بين الفكر كعبارة عن أفكار ومواقف مطروحة في ساحة المعرفة يحكم الانجذاب لها الخيار الفردي الحر وبين سلطة الفكر أي حين يتحول الفكر إلى قوة مادية تفرض على الناس وتضغط عليهم لتكون هي المهيمنة ولها الحق فقط في تحريك الفضاء العام وتمارس التصفية للأفكار الأخرى وتمنعها من التعبير أو تضعها في حالة من التهديد المستمر وفي حالة من القلق من حالة انقضاض محتمل جدا. هنا نحن لسنا أمام فكر بل أمام سلطة. هنا الاعتراض ليس على الفكر من جهة أنه فكر بل من جهة أنه سلطة تمارس الاستبداد والضغط. في هذه الحالة فإن التعبير عن الرفض لهذا التسلط والاستبداد أمر مبدأي وأساسي لأي فكر مخالف يريد أن يشارك في الحراك الفكري.
هنا نصل إلى حالة استثنائية للحراك الفكري المحلي. ففي كثير من النقاشات والحوارات يرفض الطرف المسيطر أو التقليدي حقك في التعبير. هو أصلا لا يعتقد أن من حقك الحديث. وإذا تحدثت تحت كل هذه الضغوط فهو يعتقد أن هذه خطيئة ومعصية يمررها أحيانا تحت ضغط ظرف سياسي معين ولكنه لا يزال يعتقد أنك يجب أن تكون في السجن أو في حالة من العزل الفكري بحيث لا تكون لك الفرصة في المشاركة العامة الفكرية. هذه حالة مزرية وإشكاليتها تقع في منطقة ما قبل الفكر. أي أن حلها شرط لوجود فكر حقيقي. النقاش مع هؤلاء لا بد أن ينطلق من مبدأ الرفض لتسلطه والتأسيس لحق المشاركة مع الاختلاف. أي أنني لي الحق في المشاركة الطبيعية ليس لأني لا أتعارض معك بل لأني أختلف معك وربما أتعارض معك في الفكر ولكنني أشترك معك في حق المواطنة والمساواة والانتماء للمجتمع والمؤسسات العامة.
الوصول إلى هذه النقطة لا يزال هدفا لم يتحقق مع عدد من التيارات الفكرية التقليدية التي لا تزال تعتقد أن مشاركة التيارات المختلفة معها عمل خاطئ بل جريمة لا بد من إيقافها. ولذا لا تزال تلوح في الأفق تهديدات قاسية في مضمونها تجاه المخالفين في الفكر. هذا الفكر يعتقد أن فكرا واحدا له حق الوجود. وليس حق الوجود فقط بل حق السلطة على المجتمع. هو لا يكتفي بأن يكون موجودا بل يريد أن يكون هو الموجود الوحيد بل ويحاول القضاء على أية إمكانية وجود أخرى. هذه الحالة حالة صعبة للفكر. حالة ضد الفكر وضد المعرفة. حالة لا يمكن أن يتحقق معها تطور معرفي طبيعي ولا مجتمعات معرفية منتجة. يمكن هنا العودة سريعا للتاريخ لنقول إن هذه المعادلة لم تتحقق بعد في التاريخ العربي مما يفسر لنا غياب مجتمعات المعرفة. المعادلة هنا تنص على وجود فضاء ومساحة عامة للأفكار قانونها الحرية وضوابط المعرفة. أي أنها الساحة التي يطرح فيها منتجو المعرفة إنتاجهم للناس ويكون الحكم والمقياس هو القدرة على الإقناع وتلبية حاجة الناس. المعادلة التاريخية العربية لم توفر حتى الآن هذه المساحة الحرة. فلا يزال فكر واحد يسيطر لا بمنطق الحق والإقناع بل بمنطق القوة والجبر.
هنا تصبح القضية مع التيار الفكري المتسلط ليست قضية حوار ونقاش وجدل في التفاصيل المعرفية بقدر ما هي قضية إقرار حق الوجود والمشاركة. إقرار حق المواطنة والانتماء المشترك. إقرار حق الحرية والعدالة والمساواة. إقرار مبدأ أننا لن نحصل على جو متعاف وسلمي وطبيعي ومفتوح للمستقبل إلا من خلال موازنة المعادلة وفتح المجال العام لجميع الأطياف الفكرية الموجودة. دليل الواقع والتاريخ واضح على أن المجتمعات التي تغيب هنا غيوم الاستبداد والتي يحظى أفرادها بمساحات متوازنة في المشاركة والتعبير والتعاون من أجل الصالح العام. في هذه المجتمعات فقط تحققت مستويات مرتفعة من الكرامة للناس والحياة الكريمة والأمان في الحاضر والمستقبل.
آفة الفكر تحوله إلى سلطة. آفة قاتلة له من الداخل ومدمرة للجو العام في الخارج. الفكر حين يتحول إلى سلطة يتوقف عن النمو فمعادلته الآن لم تعد معادلة المعرفة والعلم بل معادلة السلطة والمحافظة على السيطرة والإمساك بالمصالح المكتسبة وهذا قاتل لنمو الفكر. الفكر أيضا حين يتحول إلى سلطة يدمر الفضاء العام ويجعله خرابا يقف هو على أطلاله. وبما أنه لا مجتمع يعيش بلا سلطة فإن من المهم أن تكون هذه السلطة غير خاصة بطرف دون الآخر بقدر ما هي سلطة تحفظ مبادئ العدالة والحرية والمساواة. سلطة مهمتها توفير إمكانية الحركة للمجتمع وحماية أفراده ممن يريد أن يحتكر حقوقهم له دون الآخرين.