بدؤوا تجارتهم في الخمسينات الميلادية وعاصروا تاريخ جدة القديمة
كانوا وما زالوا نقطة ارتباط قوية بين آسيا وأفريقيا، عبر البن الحبشي الإثيوبي الشهير المعروف بـ الهرري، منذ أوائل خمسينات القرن الماضي الميلادي، وتحديداً عام 1953، وكان ذلك في الفترات الأخيرة من حياة المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، وقبيل وفاته بأشهر قليلة رحمه الله.
الأشقاء الثلاثة علي، عمر، سعيد أبناء باسهل، تعودوا على ربط القارتين السمراء والصفراء، فما زالوا اليوم يجسدون عمق هذا الارتباط عبر شارع حيوي في جدة لا يتجاوز عرضه المترين والنصف، يربط بين حيين تاريخيين هما باب مكة، وحي الصحيفة.
هنا في شارع أهل البركة الذي مكثوا فيه هذه المدة الطويلة، تستحوذ رائحة البن على الأجواء المحيطة بالشارع، بل وتغطي على أي رائحة أخرى مجاورة من الحدادين أو فنّيي الزجاج.
وبضاعتهم لم تقتصر على البن فقط، بل شملت أيضاً بيع الهيل، والزنجبيل المطحون التقليدي الذي لا زال يحتفظ بسوقه رغم دخول الشركات الكبرى في هذه الصناعة بشكل كبير، أو كما يقول العم سعيد قديمك نديمك.
شقيقهم الأكبر علي الذي تجاوز منتصف العقد السابع يعد الركيزة الكبرى في أعمال الأشقاء الثلاثة، ومفجر طاقتهم في الدخول لعالم تجارة البن، عبر استيراد أنواع البن الحبشية المميزة الهرري و لقمتي.
ووفقاً للتاريخ فقد قدم الأشقاء الثلاثة تباعاً من عمق بلاد حضرموت من مدينة تدعى بضه ، وهي من كبريات بلدان وادي دوعن بجنوب اليمن، واستهلوا عملهم بأدوات بسيطة، حيث كانوا قديماً يقومون بتحميص البن وتنظيفه باستعمال الحطب، قبل أن تدخل التقنيات التكنولوجية الجديدة إلى عالمهم، لتحتل المكان الأول في العمل.
يقول عمر (70 عاماً)، في حديثه إلى الوطن إن كبار تجارة جدة لا يزالون يترددون على محلهم التجاري، لجودة البن الذي يقدمونه منذ أكثر من ستة عقود، والمستجلب من مزارع الحبشة.
وأضاف أن زبائنهم لم يكونوا محصورين فقط في جدة أو المنطقة الغربية، بل دخلوا في تفاصيل البعد الإقليمي، فجاؤوهم من بلدان الخليج العربي، التي كوّنوا لهم فيها اسما تجاريا معروفا.
لم يستخدم الأشقاء الثلاثة أسلوب التسويق التقليدي عبر المندوبين، أو حتى آليات التسويق الجديد الإلكتروني. بل كان أسلوب تسويقهم الوحيد – وفقاً لشقيقهم الأصغر سعيد (68 عاماً)- والذي اتبعه التجار قديماً في تعاملاتهم التجارية الصدق والأمانة وجودة ما يقدمونه.
هنا يحاول أحد العمال الإريتريين ويدعى إدريس محمد علي وقد مكث معهم قرابة العقدين من الزمان (20 عاما) تقديم رؤية فلسفية لطبيعة عمل الأشقاء الثلاثة، وقال إن بعض المحال تحاول تسريع عمليات البيع بالغش التجاري، وخداع المستهلكين، وهو ما يرفضه الأشقاء أقدم موردي البن في المنطقة الغربية.
العمر الطويل الذي قضوه في صناعة البن أهلهم أيضاً لتكوينعلامة فارقة، أو كما يصفها بعض زبائنهم في المحل بأنها ماركة مسجلة، في مناسبات الأفراح والأتراح أضحت حاضرة في كل مناسبة.
محمد المحضار شاب في الثامنة والعشرين كان حاضراً في المحل بغية شراء كيلو من بن باسهل، يقول إن والدته ترسله لشراء البن من هذا المحل في نهاية كل شهر، وذلك منذ أكثر من 25 عاماً، وذلك لثقتها في طبيعة البن الذي يقدموه، أما أبو حسين فأكد هو الآخر أنه يأتي لشراء البن منهم منذ أكثر من ثلاثة عقود.
علامات الماركة القديمة تجدها في الهيكل الأساسي لمحل الأشقاء الثلاثة الذي بدأوا عملهم التجاري منه منذ أن وطأت أقدامهم أرض الحجاز، وما زالوا فيه، بدأ إيجارهم السنوي بـ 1500 ريال أي ما يعادل 125 ريال شهرياً، ليرتفع مع تطور الحياة المدنية للمدينة الساحلية ليبلغ رقما عاليا يقدر بأكثر من ثلاثين ضعفاً.
التفاصيل الداخلية للمحل القديم لم تتغير، وهو ما يعطي المكان نكهة تاريخية مجاورة لحدود المنطقة التاريخية القديمة لجدة، وحيوية المكان تأخذ أيضاً من حيوية الأشقاء الثلاثة التي لم تتغير طريقة بيعهم التقليدية من حيث السماحة والبشاشه الحية.
تلك الصناعة التقليدية لدى الأشقاء علي، وعمر، سعيد رغم تاريخهم الطويل لم تجد طريقا للتوارث بين أبنائهم وأحفادهم، ويعلق العم عمر على ذلك بقوله :آباؤنا وأحفادنا رأوا مستقبلهم في خطوط أخرى وأعمال تناسب تطلعاتهم.