إن الإكراه والقسر لا يؤديان إلا إلى استفحال النفاق في الأمور التعبدية التي لا بد فيها من الإخلاص شرطا للقبول. ولا يمكن أن تكون وسائل الإكراه بديلا عن التربية الأسرية على فضائل الأخلاق والقيم الدينية

تحاول الحكومة الإيرانية لأكثر من ثلاثين عاما قسر الناس على أن تتوافق تصرفاتهم اليومية مع ما يراه الفقهاء. ونشأ عن هذا كثير من المشكلات التي تعاني منها شرائح كثيرة من المجتمع الإيراني. ويتمثل ذلك القسر الحكومي بإلزام الإيرانيين بالتقيد بما تقضي به بعض الآراء الفقهية المحددة. ومن أبرزها ما يراه الفقهاء بخصوص قضايا المرأة.
وقد أوردت صحيفة الشرق الأوسط (10 /7 /1431هـ)، نقلا عن صحيفة أمروز الإيرانية، تصريحَ أحد المسؤولين في محافظة قم بأنه تم تحذير 62 ألف امرأة بسبب عدم ارتدائهن الحجاب بالطريقة الصحيحة. وقال المسؤول إن الشرطة صادرت نحو 100 سيارة لنقلها نساء لم يكن يرتدين الزي الإسلامي الصحيح، مضيفا أن تشجيع مثل هذا التراخي هو أحد أهداف العدو.
وتقول الصحيفة: ينص القانون الإيراني على وجوب أن تغطي النساء كامل الجسم وتغطية الشعر بالكامل، إلا أن الكثير من الإيرانيات، خصوصا في المدن الكبيرة مثل طهران وأصفهان، يتمتعن بحرية أكبر في ما يتعلق بلبس غطاء يغطي جانبا من الشعر، لا الشعر كله، كما أن الإيرانيات، خصوصا في المناطق الغنية شمال طهران، يلبسن ملابس زاهية الألوان، وكثيرا ما تتجنب دوريات مراعاة اللبس مساءلتهن.
ومما يدل على مدى الأزمة التي يخلقها إلزام النساء برأي فقهي واحد في اللباس، والتطفل على بعض تصرفاتهن، إبداءُ الرئيس أحمدي نجاد معارضته الشديدة لما تقوم به الشرطة من مراقبة للنساء غير المحجبات بحسب ما هو مطلوب في الشارع، معتبرا أنه لا يمكن التفكير إطلاقا أن مثل هذه الأعمال تعطي نتائج. كما أبدى استياءه من سؤال الشبان والشابات الموجودين معا في الشارع أو داخل سيارة ما إذا كانوا متزوجين أو تربط بينهم صلة قرابة تبرر وجودهم معا. وأكد أن الحكومة لا صلة لها بهذه الأعمال، وهو أمر مهين أن يُسأل رجل أو امرأة في الشارع ما إذا كانت تربط بينهما صلة قرابة. لا يحق لأحد طرح هذا النوع من الأسئلة.
وربما كانت معارضة نجاد لتصرفات الشرطة مدفوعة بأسباب سياسية هدفها استقطاب الشباب ذكورا وإناثا لصرفهم عن معسكر الإصلاحيين، كما توحي الصحيفة. لكن هذا لا يلغي أن هناك شعورا متزايدا بصعوبة التحكم الرسمي في اختيارات الناس الاجتماعية.
والسؤال هو: لماذا لم تنجح البرمجة الدينية الصارمة التي مارستها الثورة لثلاثة عقود في إقناع الناس جميعا باختياراتها الفقهية، وهو ما ألجأها إلى استخدام العنف لإلزامهم جميعا بتلك الاختيارات؟
ومما يبرهن على فشل إلزام الناس بالتقيد ببعض الآراء الفقهية في مجال لباس المرأة وتصرفاتها، مثلا، ما كشفتْه الصورُ التي بثتها وسائل الإعلام للمظاهرات التي شاركت فيها جموع كبيرة من الشباب والشابات بعد الانتخابات الرئاسية في العام الماضي. فقد ظهر أغلب المشارِكات في تلك المظاهرات كاشفات الوجوه يرتدين ملابس تنتمي إلى أحدث الأزياء الغربية الشبابية. وظهر الشباب وهم يرتدون أحدث الملابس الغربية كذلك.
ويشير كثير من الملاحظين للشأن الإيراني أن الإيرانيات، حتى الملتزمات بالحجاب المعهود في الداخل، يتخلصن منه بمجرد مغادرتهن إيران.
وتدعو ملاحظة ما يحدث في إيران مباشرةً إلى المقارنة مع ما يحدث في المملكة. فقد بدأت سيطرة تيار الصحوة بالتزامن مع الثورة الإيرانية. وأحدث هذا التيار ثورة مماثلة في المجتمع السعودي الذي كان متدينا بطبعه. فقد أشاع بعضَ المظاهر المتشددة في لباس الرجل والمرأة، وضيق من دائرة المباحات والعفو، وأسهم في ترسيخ العمل بالرأي الفقهي الواحد من غير اعتبار للآراء المخالفة. ويبدو هذا التشدد المبرمج واضحا في قضايا مثل الحجاب، والغناء والاختلاط، وقضايا المرأة عموما.
كما تزامن التنظيم الحديث لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع بداية الصحوة. لذلك وجَّهت معظم جهودها إلى إلزام الناس بالرأي الواحد الذي عممته في تلك القضايا وغيرها. كما ضاعفت من سيطرتها بإلزام الناس ببعض الممارسات الدينية التي لم تكن تنفَّذ بمثل ما نراه الآن من الصرامة وعممتها على مناطق المملكة التي لم تكن تعرفها.
وكانت نتيجة هذا التحكم في تصرفات الناس الاجتماعية اليومية أن حدث لدينا مثلما حدث في إيران تماما. فعلى الرغم من التشدد في تطبيق الآراء المتشددة في لباس المرأة إلا أنها صارت تلعب مع الهيئة ما يشبه لعبة القط والفأر. ويتمثل ذلك في ابتداع حيل كثيرة لكسر كآبة الملابس الخارجية التي تريد الهيئة فرضها عليها.
وكان هذا الإلزام سببا رئيسا في نشوء قدر كبير من النفاق في مجتمعنا. ويتمثل ذلك في التقيد الظاهري ببعض مظاهر السلوك والخروج عليها عند أول فرصة. وكما يحدث في إيران، يعرف الناس جميعا أن أغلب السعوديات يتخلصن من الملابس الخارجية المفروضة عليهن في المملكة عند أقرب فرصة يغادرن فيها الحدود.
ولا يمكن أن يولِّد القسر قناعة عند الإنسان. ويبدو الفارق واضحا بين القسر على سلوك معين يتخلى الإنسان عنه عند أول فرصة والالتزام الذي ينشأ عن قناعة شخصية حين نقارن بين التقيد الظاهري في إيران والمملكة ببعض المظاهر التي تفرضها الهيئات الدينية والتفلت منها عند غياب الرقيب والالتزامِ الواضح في الدول الإسلامية الأخرى بتلك المظاهر نفسها. ففيما نجد تحايلا واضحا للتفلت من الحجاب في البلدين، مثلا، نجد التزاما طوعيا واضحا به في الدول الإسلامية الأخرى، بل إن كثيرا من المسلمات في الغرب يكافحن من أجل الحرية في ارتدائه في أكثر أشكاله تطرفا وهو النقاب. كما أن هناك ما يشبه التهرب من أداء الصلاة جماعة في المملكة في مقابل التزام المسلمين في تلك الدول بأدائها طواعية.
وقد أجمع ثلاثة من المتخصصين السعوديين في الدراسات الشرعية، في برنامج واجه الصحافة الذي بثته قناة العربية مساء الجمعة الماضية، على وجوب إعادة النظر في ممارسات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتمثلة في قسر الناس على التقيد برأي فقهي واحد في ما يخص الممارسات الدينية والاجتماعية، ذلك أن الطريقة التي تنفِّذ بها ذلك القسر لا يمكن أن تكون الطريقة الصحيحة للحفاظ على الفضيلة في المجتمع.
إن الإكراه والقسر لا يؤديان إلا إلى استفحال النفاق في الأمور التعبدية التي لا بد فيها من الإخلاص شرطا للقبول. ولا يمكن أن تكون وسائل الإكراه بديلا عن التربية الأسرية على فضائل الأخلاق والقيم الدينية.
وأخيرا، فمن الممكن أن يخضع الناس ظاهريا للقوى المتحكِّمة، لكنهم يبطنون مخالفتها، ويكنُّون البغض لها ويظهرون النفور منها. أما في حال الالتزام فيأتي الإنسان ما يراه من الممارسات الدينية مختارا مرتاح الضمير متصالحا مع نفسه والآخرين.