الأنظمة التي نحلم بها ستمنح الثقة في السوق السعودية التي كما نعلم تتوجه إليها استثمارات إعلامية بمليارات الريالات، مما يعني توفير فرص عمل لألوف الشباب السعوديين
من المؤكد أن الفن يعاني من تركيبة كيميائية خاصة لدى بعض المسؤولين في السعودية، تثير الحساسية و(الحكة) من فكرة تأسيس وشرعنة الفنون على كافة أشكالها. ومثلما يكون هناك تفريغ للكأس من سوائله، فإن الأنظمة المحلية تفرغ الفن من الفنانين، وتفرغ المجتمع من الذائقة الفنية، حتى أصبحنا من النادر أن نجد لوحة فنية في منازلنا، أو اهتماما شبابيا لحضور معرض للخط العربي، أو جاليري للصور الفوتوجرافية، أو حتى مسرحية، والتي يعتبرها الكثير رفاهية فائضة عن الحاجة الوطنية، مثل الزائدة الدودية.
ليست المسألة في المواد الخام التي تفرز الفنون بكافة أنواعها، فنحن السعوديين ما زلنا نعيش أهم مراحل الحراك الاجتماعي وما ينتج عنه من حركات ثقافية، فكرية وفنية، ولدينا الكثير من الفنانين، إلا أنهم يشعرون أنهم موقتون، وليسوا دائمين، بسبب قانون أن لا قانون يشرعن وجودهم. الشواهد كثيرة، أهمها المهن الفنية ومسمياتها الوظيفية وكيفية تسجيلها في جواز السفر. مثلا فنان العرب محمد عبده على جواز سفره مهنة (متسبب!)، وكاتب السيناريو لا يجد ما يعترف بذلك على جوازه، والممثل كذلك. كل ذلك يأتي إلى جانب الأنظمة التي لا تدعم الصناعات الفنية (الدراما مثلا)، وما تتطلبه من خدمات لوجستية يومية واضحة ومنظمة.
لا شك أن تراكمات السنين من الفن الطارئ الذي كان مثل الطفل اليتيم الذي يعيش مع أفراد من عائلة أخرى، جعلته ينمو في ظروف غريبة: فالمجتمع يريد أن يتذوق فنيا، إلا أن وسائل تقديم هذا الفن متعثرة، وغير منظمة بسبب غياب الاعتراف الشرعي أولا بالفنانين، وغياب الإطار المؤسساتي والقانوني للفن، ومن ثم غياب الدعم اللوجستي عبر مؤسسات المجتمع المدني.
لا يحتاج الدكتور عبدالعزيز خوجة إلى إشادتي، فالكل يرى حركته وحيويته وتفاعله الواضح والشجاع مع كثير من القضايا التي كنا نظن أنها لن تناقش وآخرها تنظيم مجلس إدارات الأندية الأدبية والذي سمح للمرأة أن تكون عضوا.
إنني أتمنى على الدكتور خوجة أن يلتفت إلى جمعية المنتجين السعوديين لنعمل معا لشرعنة الفنون من خلال تأسيس لوائح وأنظمة تقود سوقنا السعودي لريادته الإنتاجية كونه المؤثر الأهم في السوق العربي، وإننا في مجلس إدارة الجمعية أعددنا الأنظمة واللوائح من خلال خبرة وتجربة من عاشوها.
أريد أن أقول لك يا معالي الوزير إنك أنت تحديدا خلقت انطباعا مرنا في عقول الخاصة والعامة في بلادنا، لذلك ليس من العبث أن أطرح خلاصة تجربتي طوال عشرين عاما في صناعة الدراما، لينتقل الحال من مرحلة زيادة رصيدي في الحساب البنكي بإنتاج أعمى لا يستشعر الناس، إلى أهداف أكثر رقيا تتمثل في تأسيس بنية لوجستية تدعم الصناعة الفنية في بلادنا، لذلك تسانَدْنا وتكاتفنا كمجموعة من المؤمنين بضرورة تحويل الإنتاج إلى صناعة وسعينا إلى جمعية المنتجين السعوديين.. لم يكن هدفنا تجميع اشتراكات، إنما الحال حقيقة هو أن مجلس الإدارة يقوم بالصرف من جيبه الخاص على فريق استشاري لتأسيس نظام متكامل. هذا الفريق الاستشاري توصل أثناء قراءته وتحليله لنظام المخالفات الإعلامية أنه لا يغطي كل ما تصدره الوزارة من تصاريح لمزاولة النشاط الإعلامي في مجمله، بل إن معظمها يغطي الجانب الصحفي فقط.
إن الأنظمة التي نعمل عليها ونحلم بها ستمنح الثقة في السوق السعودية، التي كما نعلم تتوجه إليها استثمارات إعلامية بمليارات الريالات، مما يعني توفير فرص عمل لألوف الشباب السعوديين، ولكن لتحقيق ذلك، علينا أن نجلس معا على طاولة واحدة: نحن جمعية المنتجين السعوديين، وزارة العمل، وزارة الخارجية، وزارة الداخلية، ووزارة الإعلام قادرة على أن تدعو وتنظم لمثل هذا الفريق ولو بدأ على أقل مستوى، إلا أنه سيكون خطوة كبيرة بالاتجاه الصحيح وذلك من أجل صياغة نظام إعلامي يعزز النمو الذي تفرضه سنوات النهضة والتنمية التي نعيشها. هذا الفريق الذي يمثل كل جهة حكومية ذات علاقة سوف يطرح الأوراق علانية، ويدرك كل طرف تخوفات الطرف الآخر، لنصل أخيرا إلى صيغة متفق عليها.
يا معالي الوزير.. إن جمعية المنتجين السعوديين تستطيع الآن أن تقترح نظاما بناء على خبرة سوقية، وهي جمعية تعي المسؤولية الاجتماعية وأهمية مؤسسات المجتمع المحلي في مساعدة المؤسسات الرسمية عندما يتم تقديم خلاصة خبرتها من أجل الوصول إلى صيغة وطنية، دون أن يكون لـ (الأنانية) مكان في حساباتها.