ناجي عطا الله وفرقته، يمثلون روح الشعب المصري، كما كان رامبو يمثل روح الشعب الأميركي، فرقة ناجي عطاالله ورامبو، عملوا ضد رغبات مؤسساتهم الرسمية، التي يؤمنون بعجزها وحققوا بنجاح ما عجزت عن تحقيقه تلك المؤسسات

الآداب والفنون، هي من أدوات تعبير الشعوب عن آمالها وطموحاتها وتطلعاتها، وقد تكون مؤشرا واعيا لاستكشاف مناخها القادم، أو جبر لعثرتها الحالية، لإنقاذ تصدع الأرواح الآيلة للسقوط، لحين إعادة بنائها ووقوفها شامخة على أعمدة راسخة، تليق بمكوناتها البشرية ومقدراتها المادية. مبدعو الشعوب من أدباء وفنانين، هم عادةً من يحملون على عواتقهم مهمة ردم الصدع الروحي الذي تتعرض له شعوبهم وإجراء عمليات الإسعافات الأولية لها، بسبب انكسارات حضارية أو اقتصادية أو عسكرية تعرضوا لها، وأنزلتهم من مستوى عال من العزة والكرامة، وريادة كانوا يتمتعون بها.
مثال على ذلك، عندما أصيبت الولايات المتحدة بنكبتين، واحدة سياسية وأخرى عسكرية، في النصف الأول من عقد السبعينيات، الأولى فضيحة ووتر جيت، التي اتهم فيها الرئيس نيكسون بالتجسس على مكاتب حملة منافسة الديمقراطي والتي استقال من منصبه على إثرها، ليصبح أول رئيس أميركي يستقيل من منصبه. والثانية عسكرية وهي خروج الجيش الأميركي من فيتنام مهزوماً مدحورا، عام 1975. على إثر هاتين الكارثتين الوطنيتين، أصيبت الروح الأميركية بانكسارات لم تشهدها في تاريخها المتصاعد من الإنجازات. هنا أصيبت الروح الوطنية الأميركية بخيبة أمل، لم تشهد لها مثيلا بعد الحرب العالمية الثانية، وتحولها لدولة عظمى، لا يشق لها غبار.
في بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي، دخلت هوليوود الخط، لترفع من معنويات الشعب الأميركي، وذلك في إنتاج سلسلة من أفلام رامبو التي فعلاً عملت كرافعة مؤقتة للروح الأميركية في ذلك العقد. وعند حلول عقد التسعينيات، تفكك الخصم الأوحد للولايات المتحدة، الاتحاد السوفيتي وتم سقوط جدار برلين، ونشبت حرب الخليج الثانية، التي تحولت بعدها الولايات المتحدة الأميركية، إلى الدولة العظمى الوحيدة في العالم التي أدخلت العالم، لعصر ما عرف، بعالم القطب الواحد.
سلسلة أفلام رامبو، كانت تدور حول مغامرات أسطورية لجندي أميركي، شاب وسيم ومفتول العضلات وخارق في تحمله الجسدي والنفسي ومدرب على خوض أنواع القتال واستخدام جميع أنواع الأسلحة من القوس والنبل لقيادة الطائرة الهيلكوبتر المقاتلة. كانت مهمة الجندي رامبو، هي تخليص رفاق له مسجونين في فيتنام، خرجت القوات الأميركية من دون أن تخلصهم من أسرهم. طبعاً رامبو، لم يطلب منه أحد إطلاق سراح الأسرى الأميركيين في فيتنام؛ بل هو من تطوع لفعل ذلك. بل العكس هو الصحيح، الجيش الأميركي والدبلوماسية الأميركية، حاولت بكل حزم، منعه من فعل ذلك. كان رامبو يمثل روح الشعب الأميركي، الذي عجزت مؤسسات دولته الرسمية عن تلبية طموحاته، فشمر عن ساعديه، وحقق طموحاته بذاته، بمعزل عن مؤسساته الرسمية.
الفيلم الأول من سلسلة أفلام رامبو الأربعة، عبر وبكل كفاءة فنية، عن المهمة المطلوبة منه، وهي رفع الروح المعنوية المحبطة للشعب الأميركي. حيث وجد الفيلم صدى منقطع النظير لدى عرضه الأول في الولايات المتحدة؛ وقد شاهده الرئيس الأميركي آنذاك رونالد ريجان، الذي عمل في بدايات حياته، ممثلاُ في هوليود، وأثنى عليه في مؤتمر صحفي.
المسلسل العربي المصري فرقة ناجي عطا الله بطولة الممثل والنجم الكبير عادل إمام، وتأليف الأستاذ يوسف معاطي، وإخراج رامي إمام؛ يجسد بكل احترافية، العمل الدرامي، الرافع للروح المعنوية الشعبية. مصر عاشت انحدارات وانكسارات في روحها المعنوية، بعد حرب عام 1973، وكانت تنحدر من سيئ إلى أسوأ، مما أحبط الشعب المصري، لكون مصر كانت قبل هذا التاريخ، هي القائدة وبكفاءة وجدارة للعالم العربي. مصر بفضل موقعها وإمكانياتها البشرية ومقدراتها المادية، قادت الحراك العلمي والتعليمي والثقافي والفني والرياضي وأهم منها كلها، الحراك السياسي والعسكري، في العالم العربي.
في الأثناء التي تنحدر فيها إمكانيات مصر، ترتفع وتزداد إمكانيات بعض الدول العربية، اقتصادياً وسياسياً وحتى ثقافياً، لتتجاوز في بعض الحالات مصر. مصر التي فضلت عقد سلام أحادي مع إسرائيل، خرجت من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي. وبخروج القوة العسكرية المصرية من الصراع تم التعويض عن التصدي للاعتداءات الإسرائيلية، بطريقة المقاومات الشعبية، في لبنان وفلسطين المحتلة، وأخذت هذه المقاومات تحقق نجاحات مبهرة في ردع أو لجم الكيان الصهيوني عن مطامعه التوسعية والعدوانية. من هنا تراجعت أهمية مصر في الصراع العربي الإسرائيلي وأخذت تقوم بأدوار ثانوية في المجال الدبلوماسي.
بعد ثورة الـ 25 يناير المصرية، أخذ الشوق يداعب الروح المصرية للعودة، لموقعها القيادي والريادي في العالم العربي، الذي غادرته قبل ثلاثة عقود خلت. هنا أتى مسلسل فرقة ناجي عطا الله ليرشح مصر ثانية لقيادة، الصراع العربي الإسرائيلي، الذي من خلاله تقود العالم العربي. المسلسل، يعبر عن الروح المصرية الشعبية، ففرقة ناجي عطا الله، قريبة المسمى من فرق الطرب الشعبية، مثل فرقة حسب الله وما شابهها. ناجي عطا الله العسكري المتقاعد والدبلوماسي السابق في تل أبيب، كون له فرقة من الكوماندوس، يمثل أفرادها أطيافا من المجتمع المصري، وقام بأكبر وأجرأ عملية داخل إسرائيل وهي سرقة أكبر بنك فيها.
ناجي عطا الله وفرقته، يمثلون روح الشعب المصري، كما كان رامبو يمثل روح الشعب الأميركي، فرقة ناجي عطا الله ورامبو، عملوا ضد رغبات مؤسساتهم الرسمية، التي يؤمنون بعجزها وحققوا بنجاح ما عجزت عن تحقيقه مؤسساتهم الرسمية. طبعاً توجد بعض المبالغات في أحداث المسلسل؛ لدرجة تحويل قيادات المقاومتين المصرية واللبنانية، لمجرد كومبارس عند أفراد فرقة ناجي عطا الله، ولكن هذه من الأشياء التي يجب بأن نتفهمها، إذا كان الدافع من إنتاج المسلسل هو رفع الروح المعنوية الشعبية، للشعب المصري، وتهيئته للعب دوره المنتظر في قيادة وريادة العالم العربي.
المسلسل قمة في الإنتاج والإخراج، والتسلسل الدرامي، مؤلف العمل الأستاذ معاطي جعل من موضوع العمل الممل، بتفاصيله السياسية والعسكرية، عملا ممتعا، وذلك بصبغه بروح الفكاهة والسخرية، التي تمثل جزءا لا يتجزأ من الروح المصرية. فناننا الكبير عادل إمام أبدع كعادة النجوم الكبار، فعودته للمسلسلات التلفزيونية بعد ثلاثين عاماً، كانت عودة حميدة؛ نتمنى له المزيد من الصحة والعافية. ونتمنى لشعبنا المصري الشقيق العزيز علينا عودة محمودة كذلك؛ فمكانه دوماً شاغراً، لا يستطيع ملأه إلا هو.