يلفت النظر في قصائد رثاء الأم، التركيز على التفاصيل الدقيقة لحياة الأم؛ فيصور الشعراء أشياءها الصغيرة وعاداتها تصويرا فيه الكثير من معاني الحنين إلى تلك الراحلة، وهذا طبعي، عند النظر إلى كون عادات الأمهات بالنسبة إلى الأبناء، من الأمور التي تشعرهم بجمال الحياة، فإذا توقفت كان ذلك سببا في حزن عظيم، لأن توقفها يعني تغييرا كبيرا في أسلوب الحياة.
ومن الذين رثوا أمهاتهم، أحمد عسيري، وقد رثاها بقصيدتين، صور في إحداهما حاله حين زار بيتهم القديم، وفيها لا يباشر ذكر الأم، وإنما يبدأ بتصوير الدار، ويحتفي بكل الأشياء الصغيرة التي يحويها المكان، لتكون هذه العناصر مثيرة للحزن، وناكئة للجراح:
في مدخل البيت الحزين
والمقعد الخالي يثرثر، يسأل الجدران
ينعى الراحلين
والليل والأحلام والدمع السجين
والقطة العمياء تزحف في زوايا البيت
يقتلها الأنين
وتلتقي قصيدته الثانية، مع السابقة في تصوير تفاصيل حياة الأم، وإن كانت أقل منها:
هنا عيناك يا أماه
تحفر وجه ذاكرتي
تسامر في سكون الليل
ظل الموت والوحشه
والقصيدة من الناحية الموسيقية عمودية؛ إذ لا يتجاوز السطر الواحد منها تفعيلتين هما: مفاعلتن مفاعلتن، ولا يمتد السطر الشعري إلى أكثر من ذلك، وإن امتد فهو امتداد موهوم ناجم عن التدوير التقليدي، وليس التدوير الذي يقصد به إطالة التتابع التفعيلي، مما يجعلها أقرب إلى القصيدة التناظرية العمودية، بيد أنه يتخلى عن القافية، ولا يتخلى عن انتظام عدد التفعيلات، وهذا يعني أنه مذبذب بين مرحلتي الالتزام بالشروط الموسيقية للقصيدة العمودية، والانعتاق منها.
وحين نقارن بين هاتين القصيدتين، وقصيدة أخرى لشاعر من جيله، وهو علي آل عمر عسيري؛ نجده لا يبعد عنه، وإن ظهرت قصيدته أكثر نضجا من الناحية الموسيقية، إلا أنه يتكئ فيها على الإيقاع الصوتي للألفاظ اتكاء يجعل النبرة الصوتية مقدمة على ماسواها، ليتضح الفرق بين المتجايلين؛ فأحمد عسيري ميال إلى الحروف الهامسة ذات الجرس الهادئ، وعلي آل عمر ميال إلى الحروف المجهورة، ذات الجرس الصاخب.
وعند علي آل عمر، يتأكد هذا القول، عند النظر إلى التكرار اللفظي، وحرصه على تقفية الأسطر الشعرية، وتقسيم القصيدة إلى مقاطع بحسب التنوع الإيقاعي الناجم عن التقفيات المقطعية، بحيث يستقل كل مقطع بتكرار لافت لروي معين، وذلك بخلاف أحمد عسيري الذي يشعر المتلقي في قصيدته ببعض النقلات المفاجئة، وهو يبدأ قصيدته بتكرار الجملة التي يقولها المعزون أحسن الله عزاءك، مضيفا إليها عبارات التعزية والمواساة، ليضع القارئ في الحالة بطريقة تشبه طريقة السرديين:
أحسن الله عزاءك.. أحسن الله عزاءك
هذه الدنيا جراحات وآلام وقد شابت صفاءك
فعلها آلمنا.. آلمنا..
رغم أنا ذات يوم سوف نلقى ما أساءك
وهو بالتكرار يصل إلى التأكيد على المعاني وتقويتها وتمكينها وتثبيتها في الأذهان، والتكرار أبلغ ما يكون في الرثاء.