الفارق الجوهري بين أزمتنا العقلية، وبين أزمة الغرب العقلية، تنحصر بين عقل يسعى دوماً إلى توسيع حرية تفكيره وبين عقل تكبله الأغلال والخرافات ويشغله الكفاح من أجل تحقيق الحد الأدنى من مطالبه الضرورية

هل هناك أزمة للعقل، في العالم العربي؟ وهل هناك فرق بين أزمة العقل العربي وأزمة العقل الغربي؟ وهل ما يصدق على المجتمعات الغربية، لا يصدق على المجتمعات العربية؟ وهل أن للمجتمعات الغربية مميزات لا نملكها. وأن في مجتمعاتنا من العيوب والنواقص ما لا يوجد في المجتمعات الغربية. فعلينا أن لا نقرن، أو نقارن، بين مجتمعاتهم ومجتمعاتنا؟
فما هي أزمة العقل في مجتمعاتنا؟ فؤاد زكريا المفكر المصري الراحل، ورئيس قسم الفلسفة في جامعة القاهرة، ثم في جامعة الكويت، يقول في كتابه (آراء نقدية في مشكلات الثقافة والفكر): إن العقل - عامة – يعاني من أزمة ما، في كل حالة، يسعى فيها الإنسان إلى الدفاع عن إحدى القوى المضادة، وتغليبها على العقل.
فما هي القوى المضادة، في المجتمعات العربية، التي يسعى العقل العربي إلى الدفاع عن القوة المضادة له، لكي لا يتيح لهذه القوى المضادة، من التغلب على العقل؟ هناك عدة قوى مضادة للعقل العربي، منها:
1- التمادي والإسراف في النواحي العاطفية والانفعالية تجاه معظم المشاكل، إلى حد اعتبار العقل ملكة من الملكات الإنسانية، التي انقطعت صلتها بالمنابع الفياضة للنفس البشرية.
2- ارتكاز الفكر على واحدة من السلطات الكثيرة المعروفة في المجتمع العربي. فالتفكير في المجتمع العربي، يخضع لمصدر يعلو عليه في حالة خضوع العقل لإحدى هذه السلطات المتسلطة.
3- الارتكان إلى الأساطير والخرافات في المجتمع العربي. فرغم أن المجتمع العربي يعيش على أعتاب القرن الحادي والعشرين والألفية الثالثة، ويستهلك معظم المنجزات التكنولوجية الحديثة، إلا أنه ما زال يؤمن بالخرافة والأساطير، ولعل انتشار المشعوذين والدجالين المحترفين في بلدان عربية معينة يعتبر ظاهرة واضحة للعيان. فقد كانت الأسطورة في العصور البدائية هي البديل للعقل، نظراً إلى ضعف الإمكانات الفكرية للإنسان، ووجدت الأسطورة في العصر الحديث من يضعها في مقابل العقل.
لقد شهد الغرب في الماضي، ما شهده العالم العربي قبل نهاية عام 2010 (الثورة التونسية) وبداية عام 2011 (الثورتان المصرية والسورية). ففي القرن التاسع عشر، شهد الغرب أزمة عقلية كبيرة، تمثلت في انتشار آراء بعض فلاسفة الغرب (برجسون، وشبنجلر، ووليم جيمس، وغيرهم)، لا تشيد، ولا تنادي بالعقل الاستدلالي العلمي المنهجي المنظم. بل إنها كانت تنادي، وتشيد، بمبادىء الحدس، والإرادة، والقدر الصارم. وأصبح أنصار العقل أقلية ضعيفة، خافتة الصوت، وتدافع عن مواقعها بخجل واستحياء. وكما حال الفن العربي الآن، فقد كان الفن الغربي – وخاصة فن الغناء – يخاطب القوى اللاواعية في الإنسان، ويبدو كما لو كان يريد الغوص في أعماق معتمة، تقرّبه من المنابع السحيقة للحيوية البشرية. ولكن الفن – سواء في الشرق، أو في الغرب – فشل في هذه المهمة، فشلاً واضحاً.
يقرر الراحل المفكر فؤاد زكريا، أن أزمة العقل الغربي، تتمثل في السعي إلى الخروج بالعقل من آفاقه المألوفة، وليس التنازل عن العقل تماماً، كما يظم البعض. فقد سعى الغرب إلى استكشاف أبعاد جديدة للعقل، وإدماج قوى أخرى في داخله. ولكن من المستحيل أن نفهم أزمة العقل الغربي، ما لم ندرك أن الحضارة الغربية، كان لها مع العقل تاريخ طويل، وبلغ من الطول حداً، جعل هذه الحضارة، تضيق بالحدود التقليدية، التي ظل العقل يحصر نفسه فيها. ويلخص فؤاد زكريا هذه الأزمة في النقاط التالية:
1- تنازل العقل عن مبادئ، ظل يتخذها أساساً، يرتكز عليها، طوال قرون طويلة.
2- الرغبة في إعطاء العقل مزيداً من الحرية المتاحة.
3- حدوث تغير أساسي على نظرة العقل إلى العالم الأكبر، والعالم الأصغر.
4- أصبحت النظرة الآلية إلى العالم تحتاج إلى مراجعة جذرية، خاصة بعد أن تعرض مبدأ السببية لهجوم جارف.
5- إن الأزمة الحقيقية في الغرب ليست في مرحلة العقل، ولكنها في مرحلة ما بعد العقل.
أما أزمتنا العقلية العربية، فتتلخص فيما يلي:
1- أننا لم ننته بعد، من المرحلة العقلية. وربما لم يمر بها بعضنا حتى الآن. في حين أن أحد مظاهر أزمة العقل الغربي، أن الغرب يمر في مرحلة ما بعد العقل كما ذكرنا. كما يمر بعضه الآن، في مرحلة ما بعد الحداثة.
2- أننا لم نتجاوز بعد مرحلة التفكير العقلي التقليدي، لأننا لم نتشبع بالعلم، والمنطق، والفلسفة.
3- ما زال العقل العربي – إن وُجد – يعمل جاهداً من أجل استكشاف ذاته، وتحقيق أبسط مطالبه الضرورية.
4- ازدياد الرغبة في تبديد حرية العقل، وتضييق الخناق عليه.
5- ازدياد الرغبة – عند بعضنا - في إلغاء العقل كليةً، أو تعطيله على الأقل، وذلك لحساب جهات تزعم أنها قادرة على إدارة شؤون الناس، والتفكير نيابة عنهم، وعن عقولهم. وكل ذلك محاولة لمحاربة التفكير الحر في المجتمع العربي. وهكذا يتبين لنا، أن الفارق الجوهري بين أزمتنا العقلية، وبين أزمة الغرب العقلية، تنحصر بين عقل يسعى دوماً إلى توسيع حرية تفكيره وهو العقل الغربي، وبين عقل تكبله الأغلال والخرافات، ويشغله الكفاح من أجل تحقيق الحد الأدنى من مطالبه الضرورية، وهو العقل العربي للأسف الشديد.