قال لها لحظة يأس: كنت أحلم أن أكون أفضل.. تردد ثم أشاح بوجهه: أنا أكذب، الواقع أني لم أعرف الأحلام قط.
حين تتسارع خطانا في هذه الحياة من أجل البقاء على ما نحن فيه من توفير لقمة العيش الكريم تتلاشى مقدرتنا على رسم الأحلام أو تخيل الأمنيات، وحين يفجؤنا ما يصعق نفوسنا تنطفئ أحلامنا كشمعة في مهب الريح، ثم لا نقف عند ذلك بل نورثه لأبنائنا زاعمين أن الذي ينظر إلى أعلى تنكسر عنقه وأن من يحلم يكذب على نفسه ويعيش وهما لا يمكن أن يراه حقيقة ماثلة، فما بالنا والناشئة اليوم يرون رأي العين مشاهد الدمار والدماء والقتل والتخريب كما يشاهدون أي لعبة رقمية، أي حلم يراودهم لحظتها؟
إن تشكيل الوعي مرتبط بما يحيط به من مواقف ونشاطات حياتية إيجابية كانت أم سلبية، وليس لجيل أن تتشكل ثقافته ووعيه دون تأثر بما يعايشه ويقاربه ويمارسه فعليا، ولهذا فإن الوعي المتأسس على بيئة هادئة محافظة على الحقوق والواجبات والنظم سينتج ولا شك جيلا بالصفات نفسها إضافة إلى تملكه للرؤية التي تصنع الأحلام المرجوة، ولنا في ذلك مشاهدات في أجيال تعاقبت، فجيل الطفرة الأولى كانت له طفرته الثقافية ووعيه الملحوظ وأحلامه الموعودة، فيما جيل اليوم من الناشئة والشباب يحييون صراعات عديدة ويقاربون قضايا كبرى لم نتوقع أن تغمرهم أمواجها العاتية وتبتلعهم أعماقها المظلمة، ثم نطالبهم بأن يحلموا بمستقبل أفضل، فأي أحلام ستراودهم الآن؟
أطفالنا الذين تربت نفوسهم الصغيرة، وعقولهم البريئة وملامحهم المطمئنة على مشهد رجل يذبح آخر ذبح الشاة، يغمضون عيونهم في المرة الأولى، ثم ينظرون بنصف عين في المرة الثانية، ثم يلعقون شفاههم متلذذين بطريقة الذبح في المرة الأخيرة، أي حلم سيراودهم وأي تعليم يشكل وعيهم وثقافتهم؟ وأي درس يصنع لهم أفقا عن الحياة الوادعة المنتجة الصادقة؟
إن على المؤسسات التي من أهدافها رعاية الناشئة كالتعليم والإعلام ورعاية الشباب أن تعمل على عقد جلسات حوار تدريبية وتثقيفية وتوعوية يتداولون عبرها مع خبراء متخصصين تفسير ما يحدث وبيان ما يشاهدونه ويسمعونه من قضايا لتضعهم على حقيقة الأمر وتكسبهم مهارة التعامل معه بمنهجية العارف وليس المجرب المتخبط، وعليها كذلك أن تحفزهم على حضور تلك الندوات بالمال والجوائز والمكافآت، فأن نبذل المال من أجل وعي يرتقي بالإنسان خير لنا من ألف برج شاهق يسكنها أشباه بشر.