اللغة العربية وقعت في أزمة المصطلح وتباينه وحداثته وتنوعه، نتيجة للمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على العالم بأسره، وطغيان مصطلحات اللغات الأخرى الأساسية على الحياة العامة

تُعد اللغة إحدى أهم ـ إن لم تكن هي أهم ـ طرق التواصل الإنساني كما كان يصنفها البعض في السابق. أو بين جهة وأخرى أياً كانت. أو هي مجموعة النبرات الصوتية التي تشكل في مجموعها مخارج صوتية بعينها، تختلف من ثقافة إلى أخرى. كما قيل في تعريف اللغة أنها نظام صوتي يمتلك سياقا اجتماعياً وثقافياً له دلالاته ورموزه، وهو قابل للنمو والتطور، ويخضع في ذلك للظروف التاريخية والحضارية التي يمر بها المجتمع كمجموعة تتأثر بالمتغيرات. وكعادة العلوم الإنسانية التفاعلية فإنه لا تعريف لـ(اللغة) بشكل محدد، ويُعزى سبب ذلك إلى ارتباط اللغة بالكثير من العلوم حسب رأي بعض المتخصصين في علومها المتداخلة والمختلفة. واللغة التي أتحدث عنها هنا هي لغة التخاطب الإنساني، التي تعتمد الحرف والكلمة وسيلة تعبيرية عن المضمون بالشكل الحرفي والعلامة والدلالة. وهي العلوم التي تسير معها بشكل تناظري صرف لا يمكن فصلهما عن بعضهما بأي حال. والمقصود هنا هو (لغة التواصل البشرية).
وتُعد لغتنا العربية من بين إحدى أهم اللغات الاتصالية العالمية. التي تُعتبر لغة حية وثرية بالقدر الكافي الذي يجعلها من بين اللغات الأكثر تداولاً على الصعيد العالمي. وتُشكل محوراً مهماً للكثير من الدراسات اللغوية الإنسانية المندرجة تحت مظلة علم اللسانيات. وعلى الرغم من التداخل الحاصل أحياناً بين اللغات العالمية نتيجة اتصال الحضارات فيما بينها عن طريق عدة سُبل، فقد سجلت اللغة العربية مواقفاً متباينة إزاء ما يُعرف بأزمة المصطلح، واختيار التعريف المناسب للمتجدد والطارئ الحضاري (صناعياً وأدبياً) على اليوميات الاجتماعية العربية. وعرفت اللغة العربية توسعاً لفت الأنظار إليها كلغة تستحق التقدير، ونضجاً خضع في بعض أحواله لمعايير معينة لا أستطيع إلا نكران تقييده لبعض جوانبها، ويمكن أن نصف ظهور مثل تلك العلوم التصنيفية بالمنهج المقارن الذي ظهر في أوروبا على يد (شليجل) في بدايات القرن التاسع عشر، الذي قال عن تشابه اللغات العالمية وتأصيل فرضية صلة القربى بينها جميعاً، وليستمر ذلك حتى منتصف القرن العشرين الذي ظهرت فيه أطروحة (المنهج التقابلي). وهي الأطروحة التي تبحث محاولات إيجاد علاقة ونقاط تقارب بين اللغات التي لم تثبت صلات فيما بينها. وقد كانت اللغة العربية إحدى اللغات التي وقعت في أزمة المصطلح وتباينه وحداثته وتنوعه، نتيجة للمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على العالم بأسره. وبطغيان مصطلحات اللغات الأخرى الأساسية على الحياة العامة وعلى اللغة العربية، فكان لا بد من فهم الثابت والمتحول للخروج من هذا المأزق التاريخي للغة العربية.
ولنا في مأزق فهم مصطلح (الحداثة) والتماهي معه بوعي، الذي أفرز هو أيضاً العديد من الخلافات حول تبعية التسمية أو البحث عن تعويض تعريبي للترجمة؛ ما يجعلنا نعترف بوجود القصور على مستوى الفهم الطبيعي وكذلك الميتافيزيقي للمصطلح وآلياته، ويُعزى ذلك إلى تعدد أشكال وأوضاع المفهوم للمصطلح اللساني العربي. وهو ما لا يمكن استيعابه والتواصل معه عن طريق البحث الفردي الاجتهادي كما هو حاصل الآن في كثير من الدراسات العربية.
تشير نتائج المؤتمرات والدراسات العربية التي تبحث عن الحلول إلى رتابة الذهنية العربية في طريقتها في التعامل مع المطروح، وضعف استيعاب محوري (فقه اللغة) الذي يُعنى بدراسة التراث المخطوط بالدرجة الأولى، و(علم اللغة) الذي يتلخص في تقليب جانب النحو والصرف وما إليهما من الصوت والمخرج والمعنى، وأدى ذلك الضعف في التفريق إلى الخلط بين مذهبيهما الاصطلاحيين، وهو ما يمكن أن نعزوه إلى غياب العمل المؤسسي المنظم، الذي يباشر العمل وفق رؤية واضحة، ومنظومة عمل تعتمد فك الإشكالات الاصطلاحية اللغوية بمنهجية تستوعبها وتحتويها. ولنا في تأخر عقلية الشارع العربي بعمومه في فهم نسق بنائية المصطلح وأهدافه أكبر الأمثلة، بدليل جنوح فكر المؤسسات الإعلامية واستخداماتها الغريبة لبعض المصطلحات المستحدثة في غير محلها، وهو ما يثير الاستغراب في ظل إمكاناتها التقنية والعلمية الجيدة كمؤسسات شبه تنويرية. فاستخدام مصطلح (إسلاميون) مثلاً، لا ندري هل المقصود به الإشارة إلى معتنقي الدين الإسلامي أم تلك الحركات والتنظيمات التي تتبنى شعاراته؟ فإن كان المعنى الأخير هو الذي يستهدفه المصطلح، فهذا يعني أن فئة بعينها فقط هي المسلمة الحقيقية، وتبقى غالبية من يدينون بالإسلام خارج نطاقه! وفي ذلك تلاعب واضح ومُربك ينفي صفة الإسلام عن غير المنتمين لتلك الفئات. هذا نموذج بسيط لأزمة فهم المصطلح في الثقافة العربية ولغتها ميكانيكياً وفكراً. وهذا يجعلنا إزاء ورطة حقيقية لا يبدو الخروج منها قريباً وممكناً في الوقت الراهن. ويلزمنا العمل بجدية لا نلغي من خلالها الآخر بكل زخمه وحضوره، وحتى نتخلص من الدوران داخل الحلقة المفرغة التي أنتجت مثل مأزقنا الحالي مع المصطلح المتجدد.