المعلم أبوعبدالله قضى زهرة شبابه معلماً ومربياً لأجيال متتالية، من طلابه الآن: أطباء وصيادلة ومهندسين وموظفي دولة والقائمة تمتد ولا تنتهي من النماذج المشرفة، المشكلة أن عشق أبي عبدالله لعمله جعله يرفض توسلات أبنائه بالتقاعد المبكر، ذلك أن الفرق بين الراتب الحالي وراتب التقاعدي لن يتجاوز الألفي ريال فقط، فلم كل هذا الجد والاجتهاد، والاستيقاظ مبكراً، ومكابدة ازدحام طرق الرياض، والوصول أولاً إلى مدرسته، بل وبذل جهدٍ يفوق طاقته مع طلابه، واهتمامه بكافة التفاصيل.. ولكن قراراً صدر مؤخراً من وزارة التربية والتعليم أصاب أبا عبدالله في مقتل، وجعله يتساءل ما المصلحة من الاهتمام بكل جوانب العملية التعليمة ما عدا ركنها الأساسي وهو المعلم!!
ملخص القرار هو أن وزارة التربية أبلغت جميع إدارات التربية والتعليم في المناطق والمحافظات قبل أسابيع قليلة بموافقة مجلس الخدمة المدنية على تعديل نهاية المادة الخامسة والثلاثين من لائحة الحقوق والمزايا المالية، والتي تنص على أن من انتهت خدماتهم ممن على لائحة الوظائف التعليمية يعاملون وفق الآتي: من انتهت خدماتهم قبل تاريخ 20/3/1432هـ فيعاملون وفق قرار مجلس الخدمة المدينة بتاريخ 18/8/1425هـ الذي ينص على جواز الجمع بين مكافأة نهاية الخدمة لمن هم على لائحة الوظائف التعليمية ومكافأة من بلغ سن التقاعد (60) عاماً. أما من انتهت خدماتهم اعتباراً من 20/3/1432هـ وهو تاريخ سريان لائحة الحقوق والمزايا المالية فيقتصر الصرف لهم على إحدى المكافأتين ولا يجوز الجمع بينهما اعتباراً من 20/3/1432هـ!
هذا القرار المأساوي جاء مخيباً لآمال شريحة واسعة من مخضرمي المعلمين والمعلمات ومنهم المعلم أبو عبدالله، وكذلك من هم على لائحة الوظائف التعليمية من المشرفين والمشرفات، وكأنما الرسالة هي أن من يستمر ويفني عمره ويستنفد طاقته في الرسالة التعليمية فليس له إلا القليل.
وعوداً على أبي عبدالله؛ فلو كان استمع إلى توسلات أبنائه لكان حصل على المكافأتين، وخرج بشيء يستطيع الاستفادة منه، سواء في مقدم مسكن مناسب، أو أن يبدأ به مشروعاً تجارياً صغيراً يقضي فيه وقت فراغه، ويستفيد من دخله المادي، بالإضافة إلى راتبه التقاعدي، ولكن حبه لمهنته ورسالته السامية جعلاه يدفع الثمن غالياً.
هذا القرار يفصح عن رؤية الوزارة لما تطلق عليه في موقعها الإلكتروني: بـ مربي الأجيال، حيث إن هذه البوابة الضخمة، تتفرع منها صفحات عديدة، وغنية بالخدمات والروابط والمعلومات، ما عدا الصفحة المخصصة للمعلمين والمعلمات، والتي لا تحتوي إلا على قدرٍ ضئيل من المعلومات والخدمات والتعاميم!!، لقد كان إقرار كادر المعلمين قبل سنوات طويلة خطوة كبيرة، نحو توطين وظائف التعليم العام في المملكة، حيث كانت الرواتب والدرجات المحددة منافسة بقوة لسوق العمل حينما أُقرت، وساهمت بشدة نحو جذب الشباب والشابات نحو الكليات المتوسطة وكليات إعداد المعلمين، وحتى الكليات الجامعية، لكن هذه المسيرة تعثرت بإقرار بنود توظيف مؤقتة، بل وتوظيف الدفعات الجديدة على مراتب ودرجات أقل أسهم في ابتعاد الكوادر المميزة عن سلك التعليم، مما جعل العملية التعليمية برمتها تتأثر بشكل ملحوظ، نظراً لتأثر وعدم استقرار الركن الأساسي في المنظومة وهو: المعلم.
السؤال المهم: ألا يستحق هذا المعلم وهذه المعلمة بعد سنوات طويلة من الخدمة كل التقدير والثناء، على جهودهم الكبيرة وتضحياتهم المتواصلة في سبيل بناء جيلٍ واعد، رغم كل الظروف الصعبة، وغياب الوسائل التعليمية المساعدة، ونقص المدارس المجهزة، خاصة أن كثيراً من المعلمين يتعامل مع طلابه كما يتعامل مع أبنائه، ويقدم عصارة فكره وروح قلبه، بكل أريحية ومحبة، وما تقدير الكثيرين لمعلمين ومعلمات سبق أن درسوا على أيديهم إلا خير دليلٍ على أن هذه المهنة تلعب دوراً كبيراً في تشكيل وبناء شخصية الفرد، والمجتمع في نهاية الأمر، أم أن الوزارة سوف تتجاوز كل هذا، لتستفيد من المعلم والمعلمة خلال أفضل سنوات عمره، ثم يخرج في النهاية بما لا يزيد عن ثمانين ألف ريال أو أقل!
من جهة أخرى يخطو التعليم في بلادنا خطوات متتالية ومشهودة، ولعل مشروع الملك عبدالله –حفظه الله- لتطوير التعليم العام، والارتفاع المتواصل في ميزانيات التعليم خُير دليلٍ على استثمار البلاد في التعليم، وكل أملنا أن يكون نصيب المعلم والمعلمة واضحاً ودقيقاً في برامج التطوير، لا أن يكون نصيبهما أطنانا من التعاميم الورقية والرسائل الإلكترونية، والدورات الفارغة، وشهادات الحضور التي لا تسمن ولا تغني من جوع..
في المقابل لا يزال المعلم أبو عبدالله يصل أولاً إلى مدرسته، ويساهم حتى في نظافتها قبل دخوله متحمساً – كل يوم - على طلابه الصغار، تماماً كما كان يفعل قبل أكثر من 30 عاماً.. المؤكد أنه سوف يتقاعد قريباً، كما أنه من المؤكد تماماً أن أمثاله يتناقصون واحداً تلو الآخر، والحل موجود بين جدران ديوان الوزارة وحدها فقط.