كيف تكون العلاقة بين المعلم والطالب أخلاقية؟ أو ما هو الشرط الأخلاقي للعلاقة؟ هل العلاقة اللاحوارية علاقة أخلاقية؟ ما هي طبيعة حضور الأفراد في علاقة لا حوارية؟
في رسالتي للماجستير 2008 عن معوقات ممارسة الحوار خلصت إلى أن ممارسة الحوار في المدرسة السعودية تعاني من إشكالات متعددة. كتقسيم إجرائي صنّفتُ هذه المشاكل إلى مشاكل ثقافية متعلقة بالصورة الذهنية والفكرية لدى المعلمين عن الحوار. في هذا النطاق أخذت الحوار على أنه شكل من أشكال العلاقات الإنسانية يعبّر عن طبيعة نظرة الإنسان للإنسان الآخر والمنظومة القيمية التي تدير هذه العلاقة. خلصت الدراسة إلى أن الحوار إذا لم يستعمل خارج المدرسة فلن يستعمل داخلها. بالإضافة إلى أن عددا من المعلمين رأى أن هناك قضايا عديدة في التعليم غير قابلة للحوار وأن الطالب يجب أن يلقنها تلقينا.
الحوار، كما عبّروا، يجب أن يبقى في مساحة محدودة لأن العلاقة التقليدية لا تزال هي الأقدر على التربية. النوع الثاني من العوائق التي تقف في وجه ممارسة الحوار تتعلق بتأهيل المعلمين. هل تم تأهيل المعلمين ليمارسوا الحوار أثناء أداء عملهم. الجواب كان (لا) كبيرة. لا الجامعات ولا كليات التربية أعطت هذا الجانب أهمية ضمن خططها لتأهيل المعلمين. الحوار، بالنسبة للكثير من المعلمين مفردة هطلت عليهم فجأة ولا يعلمون ما يفعلون بها. الواقع أن المشكلة أعمق من كونها فقط غيابا للحوار في تأهيل المعلمين فهي تتحقق بوضوح في حضور اللاحوار في تأهيلهم. البيئة الجامعية معادية للحوار وتحضر فيها علاقة المتعلم بالمعلم بصورة تسلّطية مؤذية للكثير. العائق الثالث كان عائق التنظيم في المدرسة. أو باختصار القانون الذي تدار به المدرسة والذي أعرب الكثير من المعلمين أنه لا يحمي المعلم الحواري. الحوار يعني أن يتحدث الجميع وأن يختلفوا وأن يفكروا في قضايا كثيرة وهذا ما يجعله وجع رأس لا تتحمله إدارة المدرسة. المعلم المغامر هنا بممارسة الحوار يبدو مكشوف الظهر. العائق الرابع كان يتعلق بالإمكانات البشرية والمادية في المدرسة.
المدرسة الحكومية بنماذجها الموحدة في كل المناطق! فقيرة جدا فهي لم تصمم لتحتوي نشاطات حوارية وصالات نقاش بالإضافة إلى التنظيم الكلاسيكي لجلوس الطلاب في الصف الدراسي. المعلمون أيضا يشتكون من إرهاق كاهلهم بالحصص ورميهم في مدارس تفتقد في أحيان كثيرة للنظافة ومكاتب خاصة لهم.
نتائج هذه الدراسة تتوافق كثيرا مع عدد من الدراسات في دول عربية أخرى. الزملاء المعلمون من دول عربية أخرى خصوصا مصر والأردن وسوريا والسودان ينقلون تجارب مشابهة لما عليه علاقة الطالب والمعلم لدينا. كذلك الدراسات والملاحظات تقول إن تعليم البنات لدينا يعاني من ذات الأزمة بل وبدرجات أعمق أيضا. ولذا فإن حديثي هنا وفي المقالات القادمة سيكون عن أشكال من العلاقات التي تجري يوميا بين الناس في السياقات التربوية. التربية هنا ليست محصورة في المدرسة بل هي شاملة لكل العلاقات بين البشر. هذه العلاقات تحدث أو يمكن أن تحدث في مختلف السياقات الثقافية وإن كان تركيزنا هنا سيكون أكثر على السياق العربي والمحلي.
نقاشي في هذا المقال والمقالات القادمة سيتوجه إلى العلاقة بين الطالب والمعلم لا على أنها علاقة تعليمية فقط بل على أنها علاقة أخلاقية. سيكون سؤالي الأساسي: كيف تكون العلاقة بين المعلم والطالب أخلاقية؟ أو ما هو الشرط الأخلاقي للعلاقة بين الطالب والمعلم؟ هل العلاقة اللاحوارية علاقة أخلاقية؟ ما هي طبيعة حضور الأفراد في علاقة لا حوارية؟ هذه المقالات ستتناول أيضا أزمة المعلم والطالب الطامحين لعلاقة حوارية في بيئة لا حوارية. أزمة المعلمين والطلاب الذين يعون لا أخلاقية العلاقة اللاحوارية ويحلمون بعلاقة أخلاقية. أزمتهم التي يواجهونها يوميا ومع كل صباح حين يضطرون للانخراط في علاقة تؤلمهم جميعا. العلاقة التي يرون ألمها في أعين الآخرين أيضا. المقالات ستسأل هل من أمل على المستوى الفردي لهؤلاء للانعتاق من هذه العلاقة بدون الضرورة أن يتغير النظام ككل؟ هذه المقالات تأخذ في بالها التجربة المباشرة للفرد في التعليم بغض النظر عن موقعه في خريطة العلاقات. المعلمة والمعلم سيأخذون مدى أوسع من غيرهم لا لكونهم أكثر أهمية من الطالب ولكن باعتبار المساحة والقدرة الأوسع التي يتمتعون بها داخل العلاقة التعليمية. المعلمة والمعلم هنا يأخذون اهتماما خاصا لا بسبب تمتعهم بقيمة خاصة كحاملين للحقيقة وناطقين بها بل بوصفهم أقدر داخل العلاقة التقليدية على الدفع بعلاقتهم مع الطلاب للمزيد من الإنسانية والحرية. المعلم، كما الطالب، يتحرر يوميا في العلاقة الحوارية. الطالبة والطالب في العلاقة الحوارية لا يحررون أنفسهم فقط بل يحررون معلماتهم ومعلميهم وزملاءهم في ذات الوقت.
لنقاش العلاقة بين الطالبة والمعلمة أو بين الطالب والمعلم سأتعرض لتصورات عديدة داخل السياق الفلسفي العالمي من جهات مختلفة. انطلاقا من أفلاطون وتصوره لهذه العلاقة داخل جمهوريته المتخيّلة. جان جاك روسو سيكون نقطة مهمة في فهم هذه العلاقة خصوصا في كتابه إيميل أو عن تصوره العام للعلاقات البشرية في العقد الاجتماعي. الفلسفة النقدية وأطروحات ماكسيم جرين وباولو فريري. فيلسوف مهم لا أظن أن له حضورا قويا في الثقافة العربية وهو الألماني مارتن بوبر (1878-1965) وليس كارل بوبر سيكون له حضور أساسي في المقالات القادمة. بوبر له نظرية مهمة في نوع العلاقات الإنسانية سأعمل على استخدامها مع بعض الإضافات والتعديلات. أيضا ستحضر نظرية إيمانويل كانت الأخلاقية ورؤى جون ديوي الاجتماعية والتربوية. كل هذه المقاربات تسعى لفهم علاقة الطالبة ومعلمتها والطالب ومعلمه في تعليم ضد جواري وكيف يمكن الانعتاق من هذه العلاقة ضمن وداخل ذات التعليم. ستكون محاولة تحرير أخلاقية ربما تساعد أولئك الأفراد الذين يتوجهون يوميا للاجتماع في مدارس تضطرهم للانخراط في علاقة مؤذية ولا أخلاقية. علاقات ضد حوارية تحضر فيها السلطة والقوّة بدلا من الإقناع والتفاهم.