أهان نتنياهو جميع الجالسين في غرف الجمعية العامة للأمم المتحدة، من خلال عرضه لرسم طفولي لقنبلة، يفترض أنها ترمز إلى سعي إيران من أجل صنع قنبلة نووية
ألقى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس كلمة كريمة وقوية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 سبتمبر الماضي. ربما التغطية على كلماته من قبل أجهزة الإعلام الأميركية والأوروبية الرئيسية كانت بأداء تهريجي، مقارنة مع ما حدث في نفس اليوم من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لكن ذلك مؤقت فقط، ومؤشر على انحياز أجهزة الإعلام الغربية.
في ضغطه من أجل القيام بعمل عسكري غربي ضد إيران، أهان نتنياهو جميع الجالسين في غرف الجمعية العامة من خلال عرضه لرسم طفولي لقنبلة، يفترض أنها ترمز إلى سعي إيران من أجل صنع قنبلة نووية.
على العكس من أداء نتنياهو تماما، الذي جعل حتى المحللين الإسرائيليين يشككون بصحته العقلية ومؤهلاته ليبقى في منصبه، ألقى الرئيس عباس تقريرا شاملا حول جرائم إسرائيل المستمرة ضد الشعب الفلسطيني، وقدم تقريرا عن الوضع حول نجاح جهود السلطة الفلسطينية في بناء الدولة، وأعلن بشكل واضح عن خطط السلطة الفلسطينية للسعي إلى الحصول على مرتبة الدولة المراقبة من الجمعية العامة قبل نهاية الدورة الحالية. كانت كلمات عباس أنموذجا يحتذى من قبل جميع القادة الجادين للدول الجادة.
استعرض الرئيس عباس بحرص الأحداث على الأرض خلال الأشهر الـ12 الماضية، مركزا على اعتداءات إسرائيل المتسارعة ضد الشعب الفلسطيني فوق أرضه. وبين كيف أن أعمال حكومة نتنياهو ومستوطنيها المسلحين أقاموا ما يشبه الأمر الواقع الذي يمنع تطبيق حل الدولتين كما دعت إليه عدة القرارات الدولية واتفاقيات أوسلو. وتحدث عباس بالتفصيل عن حملة متصاعدة لنظام الفصل العنصري (الأبارتيد) ضد الشعب الفلسطيني، احتجاز الأموال، إغلاق القدس، وأعمال وحشية أخرى أطلق عليها بحق اسم النكبة الجديدة في الأراضي المقدسة.
الرئيس عباس قال لقادة العالم المجتمعين: التطورات خلال العام الماضي أكدت ما نبهنا إليه وحذرنا منه باستمرار: الخطر الكارثي للاستيطان الإسرائيلي العنصري لبلدنا، فلسطين. خلال الشهور الماضية، أصبحت الهجمات من قبل الميليشيات الإرهابية من المستوطنين الإسرائيليين حقيقة يومية، حيث تم ارتكاب 535 هجوما على الأقل منذ بداية هذا العام. نحن نواجه موجات قاسية من الهجمات ضد شعبنا، مساجدنا، كنائسنا وأديرتنا، وبيوتنا ومدارسنا؛ هم يطلقون سمومهم ضد أشجارنا، حقولنا، محاصيلنا وممتلكاتنا، وأصبح شعبنا أهدافا ثابتة لأعمال القتل والإهانة مع تواطؤ تام من قوات الاحتلال والحكومة الإسرائيلية.
لم يوفر الرئيس عباس أيضا المجتمع الدولي من كلماته القاسية. الرئيس عباس قال: أنا أتحدث باسم شعب غاضب، شعب يشعر أنه في الوقت الذي يستمر في مطالبته بحقه في الحرية وتمسكه بثقافة السلام والتزامه بمبادئ وقواعد القانون الدولي، يستمر تقديم الجوائز بشكل غير منطقي لإسرائيل، التي تتبع حكومتها سياسة حرب واحتلال واستيطان. ويستمر السماح لإسرائيل بتجنب المحاسبة والعقاب ويستمر البعض في إعاقة اتخاذ مواقف حاسمة بخصوص انتهاكاتها للقانون والمواثيق الدولية. هذا، في الحقيقة، يمثل رخصة للاحتلال والاستمرار في سياسة السلب والتطهير العرقي ويشجعه على ترسيخ نظام الفصل العنصري ضد الشعب الفلسطيني.
بعد أن شرح الموقف للمجتمع الدولي، وضح الرئيس عباس أنه ليس هناك سبب لاستئناف محادثات السلام مع إسرائيل بعد أن وصلت إلى طريق مسدود. وأكد أنه لا حاجة لمفاوضات إضافية، لأن جميع التفاصيل الأساسية لحل الدولتين تم اتخاذ قرار بشأنها منذ فترة طويلة. وأضاف عباس أن ما نحتاج إليه هو الاستعداد لتطبيقها.. والنية الصادقة للتوصل إلى السلام.
ومع أنه لم يذكر الولايات المتحدة أو الرئيس أوباما أو السفيرة الأمريكية في الأمم المتحدة سوزان رايس بالاسم، ذكر الرئيس عباس جميع الوفود أنه، عندما حاولت السلطة الفلسطينية منذ سنة الحصول على موافقة مجلس الأمن من أجل قبول عضويتها الكاملة في مجلس الأمم المتحدة، أثيرت ضجة كبيرة ومعادية من قبل البعض ضد هذا وفشلت تلك الجهود. ومع ذلك، بعد شهور، تم منح فلسطين العضوية كدولة في منظمة اليونيسكو.
وأنهى الرئيس عباس كلمته بإبلاغ الوفود أن السلطة الفلسطينية: بدأت استشارات مكثفة مع عدة منظمات إقليمية ودول أعضاء بهدف جعل الجمعية العامة تتبنى قرارا يعتبر فلسطين دولة غير عضو في الأمم المتحدة.
هذا التحرك الجريء للزعيم الفلسطيني كان له رد فعل عنيف متوقع من وزير خارجية إسرائيل الشبيه بقطاع الطرق أفيجدور ليبرمان، الذي اعترف أن العالم يقف ضد إسرائيل بسبب جرائمها ضد الفلسطينيين. ليبرمان صرح لصحيفة هآرتز الإسرائيلية بأن إسرائيل لا تستطيع أن تمنع الجمعية العامة للأمم المتحدة من الموافقة على الطلب الفلسطيني، لكننا سنجعل عباس يدفع الثمن. وتباهى ليبرمان بأنه يتواصل مع قادة فلسطينيين قد يحلون مكان عباس. يا له من هراء!
المجلس الوطني الفلسطيني رد بقوة على ليبرمان مطالبا المجتمع الدولي بالعمل بسرعة من أجل دعم فلسطين. المجلس قال في بيان له: إن كلا من القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني يحتاجون بشكل عاجل للحماية الدولية. من خلال تكثيف الحملة ضد الرئيس عباس، يحاول ليبرمان التهرب من مسؤولية تجميد عملية السلام من خلال تصدير الأزمة السياسية لحكومته وإفلاسها إلى الجانب الفلسطيني.
تهديد ليبرمان، الذي أدانه حتى وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك، يضع واشنطن تحت الضوء. تقول مصادر إنه، كما حدث في العام الماضي، فإن أميركا تهدد بقطع المساعدات المالية عن السلطة الفلسطينية إذا مضوا في تقديم طلبهم للجمعية العامة. هذه الازدواجية المشينة من إدارة أوباما ليست جديدة. ولكن في الجمعية العامة لا تملك الولايات المتحدة حق الفيتو، وسعي الفلسطينيين للحصول على مقعدهم الذي طال انتظاره على طاولة الأمم سوف يتردد صداه لفترة طويلة قادمة.