الطفلة ملالا، ذات الأربعة عشر ربيعا وبمدونتها العنكبوتية، وبأناملها الغضة، كشفت عوار الملالي والشيوخ الطالبانيين، وذلك عندما احتجت على إغلاقهم لمدرستها ومدارس عشرات الآلاف من البنات في منطقة سوات، وطالبتهم بإرجاعها. فأزعجتهم بلغتها الطفولية المنطقية
ملالا يوسفزاي، طفلة باكستانية من مدينة مينغورا كبرى مدن وادي سوات، الذي سيطرت عليه حركة طالبان الباكستانية منذ عام 2007، باتفاق سياسي بينها وبين الحكومة الباكستانية، تطبق فيه حركة طالبان الشريعة الإسلامية، حسب فهمها، وتترك باقي باكستان للحكومة. وعندما تمكنت طالبان من سيطرتها على منطقة القبائل، نقضت عهدها مع الحكومة، وأخذت تتوسع شيئا فشيئا، فاضطرت الحكومة لإرسال جيشها للمنطقة واقتلاع طالبان منها، ونشبت معارك حامية الوطيس بينهما.
أفراد حركتي طالبان لم يهبطوا على باكستان ولا أفغانستان من المريخ، بل هم صنيعة ورعاية الاستخبارات الباكستانية، خاصة الاستخبارات العسكرية، لتجنيدهم لقتال الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، ويصبحوا رجالها هناك، حيث كل دولة عظمى أو حتى ليست عظمى كونت لها أذرعتها الخاصة بها، من الجماعات الجهادية، في أفغانستان. ونجحت باكستان في تفعيل دور طالبان الأفغانية ومساعدتها لتولي السلطة داخل أفغانستان، بعد الحرب الأهلية بين المجاهدين، التي أعقبت خروج السوفيت من أفغانستان.
أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تسببت في إنهاء سيطرة وحكم طالبان على أفغانستان، وذلك بغزو الجيش الأمريكي وجيوش حلف الناتو لأفغانستان، وتفكيك حكومة طالبان وتشتيت سلطتها ومطاردة فلولها. فغادر أفرادها وكوادرها لباكستان، حيث حلوا لاجئين على طالبان باكستان المحاذية لحدود أفغانستان، والامتداد الجغرافي والديموغرافي الطبيعي لها، حيث حكومة باكستان، لم تشأ أن تستضيفهم رسميا، كما فعلت في هجرتهم الأولى إليها.
ولذلك حاولت الحكومة الباكستانية أن تهادن طالبان، خوفا منها لا حرصا عليها، حيث طالبان ما بعد الغزو الأطلسي، ليست كما كانت بعد الغزو السوفيتي، والتي لم تكن شيئا مذكورا حينها. أصبح لها جيش شجاع ومسلح ومتمرس على حرب العصابات الجبلية، ولها قاعدة شعبية لا يستهان بها، ليس فقط داخل أفغانستان وباكستان؛ ولكن في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وحتى بين المسلمين في أوروبا. ونستطيع بأن نقول وبكل طمأنينة، بأن الأجهزة الاستخباراتية الباكستانية وجيشها قد صنعوا وحشا صغيرا، ليهددوا به خصومهم، فكبر هذا الوحش، بأسرع مما يتخيلون، وهاهو الآن يلتف عليهم ليلتهمهم، دون أن يأسف عليهم أحد.
السؤال الذي يطرح نفسه، هو لماذا خرجت المدارس الدينية في منطقة القبائل في باكستان، وحوشا صغيرة كبرت وأخذت تلتهم كل ما حولها، بدل أن تخرج دعاة وهداة لمن حولهم، رحماء بهم رفقاء بحالهم، مراعين لأحوالهم الحياتية الصعبة؟! سؤال لا نستطيع الإجابة عليه إلا من خلال القرآن الكريم نفسه. حيث وضع القرآن الكريم تراتبية لتعليم الدين، وحدد الجرعات التي يحتاجها كل مجتمع من تعاليمه، حسب تقدمه وتأخره في سلم الرقي والتحضر. وذلك لكون الدين بشكل عام، حالة حضارية متقدمة، يصعب على الحالة البدائية المتخلفة فهمه وسبر مقاصده، والاستنباط منه ما ينفع الناس، ويساعدهم على إعمار دنياهم، وصون آخرتهم، وهي معادلة لا يستطيع فهمها والقبض على روحها، سوى من ترقى في سلم المدنية والتقدم وفهم العلوم بشكل عام، والعلم الديني بشكل خاص.
قال تعالى في سورة التوبة: الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98). ما نفهمه من الآيتين الكريمتين أعلاه، بأن بيئة التخلف والتوحش التي يعيش ضمنها الأعرابي، لا تسمح له بأي حال من الأحوال، بأن يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله، ناهيك عن أن يكون معلما لها والموكل بتطبيقها على الناس. إذاً فالمسألة هنا مسألة إدانة حالة تخلف، لا إدانة جنس بشري. وما يجب تعليمه من الدين لمن يعيشون في بيئات التخلف والتوحش، هي الطقوس الدينية الأولية، المطلوبة من كل مسلم أمي، من دون أن يقحم بتفاصيل حدود ما أنزل الله على رسوله الكريم، حتى لا يتجرأ عليها ويصوغها على حسب فهمه البدائي، المطبوع على القسوة والشدة والتوحش.
قال تعالى: فبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ...، فالرحمة والليونة والعفو والاستغفار والمشاورة في الأمر والعزم، بعد التوكل لا الاتكال، كلها سمات من سمات التحضر والرقي الأخلاقي والمدني، الذي لا ينتج ولا يؤتي ثماره المرجوة منه، إلا في بيئة متقدمة في سلم التحضر والرقي المدني، وهذه من سمات المجتمع المكي المتحضر حينها، والذي مثل الرسول صلى الله عليه وسلم قمته وسنامه، بخلقه العظيم وتصرفه الحكيم، والذي أصبح جاهزا لتقبل الرسالة السماوية المطهرة وتطبيق تعاليمها وحمل حدودها.
عندما وصل بعض الدعاة الأوائل لمناطق القبائل العربية وأخذوا يعلمون الناس هنالك تعاليم الدين الإسلامي واجتهدوا في تعليمهم ما لا تمكنهم بيئتهم الفقيرة علميا من تعلمه أو حتى استيعابه، خرجت فرق الخوارج من بينهم، ومعظمهم من حفظة القرآن، حتى إنهم كانوا يسمون بالحفاظ. فكفروا الصحابة، وخرجوا على المسلمين وقاتلوهم، بحجة خروجهم عن حدود الله. وكان هذا مصداقا للآية الكريمة، التي حذرت من تعليم الأعراب، حدود ما أنزل الله على رسوله الأمين، وقصة الخوارج معروفة، وليست بحاجة لا لوصف ولا تبيين.
وهذا ما تم إعادة إنتاجه في باكستان، عندما تم فتح عشرات الآلاف من المدارس الدينية في المناطق القبلية الجبلية فيها، وهي ذات البيئة الأعرابية، على حسب المصطلح القرآني، والتي أنتجت بدورها حركتي طالبان، طلبة المدارس الدينية، في باكستان وأفغانستان، وسط الحروب والنزاعات المحلية والإقليمية والدولية والدسائس والمؤامرات الاستخباراتية هناك. ومن هناك، ومن تلك البيئة الأعرابية، تم تفريخ مجموعات من الخوارج الذين انتشروا في أنحاء العالم الإسلامي والعالم أجمع، ليعيثوا في الأرض فسادا وتشويها لسمعة الإسلام والمسلمين، لدرجة أنه لو أنفق أعداء الإسلام والمسلمين، جميع ثرواتهم، لتشويه الإسلام والمسلمين لما تمكنوا، مما تمكن منه خوارج وادي سوات وملحقاتها.
الطفلة ملالا، ذات الأربعة عشر ربيعا وبمدونتها العنكبوتية، وبأناملها الغضة، كشفت عوار الملالاي والشيوخ الطالبانيين، وذلك عندما احتجت على إغلاقهم لمدرستها ومدارس عشرات الآلاف من البنات في منطقة سوات، وطالبتهم بإرجاعها. فأزعجتهم بلغتها الطفولية الغضة والهادئة والمنطقية، فلم تستطع عقولهم البدائية القاسية والمتوحشة الصمود أمام قرعات أناملها الغضة، برغم صمودهم تحت قصف وابل الصواريخ من طائرات الناتو والجيش الباكستاني، فأطلقوا عليها الرصاص، لإسكات صوتها الذي كشف عوارهم وسذاجة عقولهم. فبرر المتحدث باسم طالبان باكستان الملا إحسان الله إحسان، بالتالي: عرضت ملالاا نفسها للخطر لدورها الرائد في الدفاع عن العلمانية والاعتدال التنويري المزعوم. وأن حركة طالبان الباكستانية لا تؤمن بالتعرض للنساء، لكن كل من يقود حملة ضد الإسلام والشريعة يقتل، وأن سن ملالاا يوسفزاي ليست دافعا للرأفة بها. معظم الباكستانيين تعاطفوا مع الطفلة الشجاعة ملالا، وصبوا جام غضبهم على طالبان، ويحق لهم حيث الطفلة ملالا وحدتهم بمصابها، وملالاي طالبان فرقوهم بعصاباتهم.