كلنا يحمل في طيات نفسه شكا أن المنظمات الدولية منظمات مسيسة وموجهة وفقا لتوجهات القوى الدولية ومصالح تحالفاتها، حتى أصبح بعضنا يصفها بالظلم ويلقي عليها اللائمة في كل مصائبنا في العالم العربي والإسلامي، وأصبح كثير منا يدور في دائرة الرمي بالظن والاتهام قبل المبادرة والتثبيط قبل المحاولة برمي السؤال الدائم وما جدوى القانون الدولي العام؟ أو لمَ نلجأ للأمم المتحدة وهي التي تعين الدول الظالمة على الظلم؟ وكثيرا ما نسمع عن الغرب الظالم وأميركا الظالمة ونتهمهم بالميل ضد قضايانا لمجرد أنها قضايانا، وهذا وإن كان في بعض أطرافه وأجزائه يحمل شيئا من الصحة إلا أنه في معظمه مغالطة لواقع نحن من يصنعه ويوجده.
إننا نتعامل مع قضايانا بلغة عاطفية تعبر عن أحاسيسنا بشكل بليغ وجميل، ونتخذ مواقف سياسية ودبلوماسية فيها شيء من الحمية والضرب على الصدر بحيث يكون الهم فيها أن نبين للعالم رفضنا للحدث بمفهومنا، دون أن نبين له ما نريد من وراء هذا الرفض بممفهومه هو، والأمثلة أكثر من أن تعد وتحصر في هذا الباب وليس هنا مجال التعاطي معها.
للقانون لغته ومصطلحاته التي تحمل في طياتها الكثير من الدلالات ولها من النتائج ما يفوق التصور، وللأسف فإننا في غالب الأمر في عالمنا العربي والإسلامي لا نعير هذه اللغة والمصطلحات القانونية الأهمية اللازمة، وبالتالي نخسر قضايانا لأننا كمن يدخل المعركة بطبل التجييش دون أن يكون معه السلاح اللائق بها.
حين يتحدث القانون فإننا نتحدث بلغة موضوعية وفقا لنهج متسق ومصطلحات ذات مفاهيم واضحة محددة يحيل المعركة من أشخاصها إلى موضوعها، بحيث نصل في آخر المطاف إلى النتائج المرجوة بالشكل الصحيح، فالقانون يتحدث عن مراكز قانونية ناتجة عن مصادر التزام وفقا لمعايير محددة تترتب عليها آثار قانونية محددة، لا يهم القانون الحدث في ذاته بقدر ما يمكن أن نأخذ من وقائع وتفاصيل هذا الحدث معلومات تفيدنا في تكييف القضية ووضعها في السياق القانوني الصحيح. فواقعة القتل مثلا يختلف الحكم فيها بحسب حال القاتل والمقتول بحيث يمكن أن يكون القتل دفاعا مبررا عن النفس، أو يكون من قبيل القتل الخطأ كما في حوادث السيارات مثلا، أو من قبيل القتل العمد (أو شبه العمد في المذاهب الفقهية والقانونية التي تفرق بين الاثنين). إذن للوصول إلى الحكم الصحيح يجب ابتداء أن نكيف الحالة تكييفا صحيحا ونعبر عنها وفقا للسياق القانوني الصحيح.
استخدمت نموذج القتل لقربه من الذهن وبساطة التعاطي معه، ولكن المسألة لا تقف عنده بل تمتد إلى قضايا أكثر تعقيدا، وهي تتطلب ممن يتحدث عنها أن يحدد السياق القانوني الذي يجب أن يصوغ مطالبته بموجبه، ولهذا يجب على القانوني أن يحدد ابتداء الصفة في الواقعة التي يتعامل معها وطبيعة الارتباط بين الواقعة وبين الشخص لحظة ارتباطه بتلك الواقعة القانونية ليستطيع أن يصل إلى تكييف قانوني صحيح. أحيانا يكون لنا أكثر من صفة أثناء التعامل مع واقعة معينة فمثلا من الممكن أن أوقع محررا ما بصفتي المدير التنفيذي المسؤول عن كيان قانوني معين، ولكن هذا لا يعني أن لي الحق في أن أوقع ذات المحرر بصفتي شريكا في ذات الكيان (وإن كان التصور أن الشريك أعلى في المكانة من المدير التنفيذي). وبالتالي فإن صفتي القانونية عند توقيعي على المحرر المعني ينتج عنها الكثير من الأحكام المتعلقة بالبطلان والنفاذ وحسن وسوء النية عند نشوء الواقعة وهو بالتالي ما سيتغير معه بكل تأكيد سياق ومنهج الحديث عن والحكم في هذه الواقعة تحديدا.
الصفة مهمة جدا عند التعاطي مع الوقائع القانونية والأحداث الدولية، خصوصا عند النظر في القضايا التي تهمنا بحكم انتمائنا للعقيدة الإسلامية، فنحن نصر كثيرا على الحديث عن الوقائع المرتبطة بما يمس المسلمين من خلال المنظور الديني فقط، وهذا على أهميته لا يخدم قضايانا كثيرا بل هو في كثير من الأحيان يضر بها ويلصق بها تهمة الإرهاب دون مبرر، فمثلا المقاومة المسلحة في سورية قد تكون مقاومة مسلحة تتسق مع أحكام القانون الدولي بموجب نصوصه وقد تلتصق بها تهمة الإرهاب أيضا بموجب نصوص القانون الدولي، ويبقى الخلاف في كيفية التعاطي معها من خلال تقديمها للآخرين، فتسميتها جهادا قد يصبغها (للأسف) بصبغة (الإرهاب) بينما تسميتها مقاومة شعبية يحيلها تماما إلى السياق القانوني الصحيح ويعطينا مقدمات قانونية تمكننا من الحديث عنها بشكل أكثر إيجابية ويعطينا أرضية متقدمة في الحوار. ذات الأمر ينطبق على قضية شعب الرهانجيا في بورما، فهم شعب مسلم وهذا الانتماء لذات الدين يزيد من تعاطفنا معهم، ولكن ليكون الحديث عنهم وفق السياق القانوني الصحيح فإننا لا بد أن نتحدث عنهم بحسبهم مجموعة عرقية لأن هذه هي المجموعات التي يتعامل معها القانون الدولي، وهو ما استفاد منه الإسرائيليون أكثر من غيرهم بتجريم معاداة السامية (كراهية عرقية) ولم نسمع أحدا منهم يتحدث عن معاداة اليهودية لأنها ليست تكييفا قانونيا صحيحا بحسب النصوص القائمة.
أتمنى من كل قلبي في عالمنا العربي أن نسد الفجوة القائمة بين كياناتنا السياسية وبين قدراتنا القانونية على الصعيد الدولي لنكون جبهة تواصل موحدة تمكننا من تمثيل قضايانا بالشكل والكيفية الصحيحة.
تغريدة: ليست المنظمات الدولية بالضرورة ظالمة وإن كان بعضها مسيسا وإنما هي تتعامل مع قضايانا وفقا لطريقة تعبيرنا عنها.