عائد هذا المساء إلى وجه مدينتي الأليف، وإلى أديم جلدها المتخشب الذي لا يشبه إلا جفاف جلدي الأصغر حين أعود من سفر. كان الأسبوع الماضي فترة – غياب – قصيرة، وأنا الذي داوم هذه المدينة لأربعة عشر شهراً متصلة لا أذكر أنني تركت وجهها وأديم جلدها إلا في ليال معدودة، وشاردة. وعلى غير العادة، عشت عاماً مكتملاً بلا جواز سفر، وأنا الذي كنت من قبل أربط الحقيبة في حزام الحقيبة السابقة بين موانئ الفضاء إلى أرض الله الواسعة. عام كامل من الجفاف والألفة والركود وكأنني من لبس القول: سئمت تكاليف الحياة ومن....
عائد هذا المساء بعد أسبوع من شوارع النور. اشتقت لشارعي المظلم، يتيم هذه المدينة، الذي لم تسجله البلدية ولو حتى في باب الصدقات ولم تعترف به في سجلات جماعتها وجمعيتها الخيرية. اشتقت لسبع حفر على ناصية شارع الحي العام الذي شاهدته ذات زمن من زاوية الكاميرا – الجوجلية – وكأنه حفر مقبرة لقبور حفرها فاعل خير. اشتقت لمدارس (خلدون ومحمد) وهم يخرجون منها منتصف النهار مثل سردين مجفف خارج من علبته. اشتقت للطابور على (وايت الماء) كلما انتصف الخزان حتى لا تشعر والدتي بأزمة الجفاف في السنوات الأخيرة من العمر. اشتقت لبشارة الصيدلي في المركز الصحي حين يعطيني في زيارة خاطفة حبوب ضغط والدتي معتذراً عن التقصير في توفيرها في المرات السابقة. اشتقت للغبار الذي تنثره سيارتي كلما رثت هذه الشوارع حتى صار هذا الرذاذ الجميل نظرة عيوني المفضلة في المرآة.
اشتقت لفرة الثلاثاء حين يمتهن مئات الشباب المتسكع بكارة هذه المدينة وهدوءها دون أن يعمل أحد مزبلة لهذه الفرة. اشتقت لأصوات أطفالي وهم يجدولون هذا الفراغ المخيف بين ألعابهم الذكية وبين كراريس واجباتهم المدرسية المتخشبة. لاحظوا كم مرة كتبت فيها هذا الجفاف والخشب!
اشتقت لنداء زوجتي إلى وجبة (العشاء) التي لا تشبه كل عشاءات هذا الأسبوع البرجوازي. اشتقت إلى برد مدينتي وشتائها وصقيع جدرانها: إلى الخشب والحفر والطوابير، إلى نزالات الحمَّى وظلمات الليل الطويل التي أسهرها مع كتاب يأخذني كل مساء إلى عالم مفترض لم يعد فيه للحياة من بقية.