أبناؤنا في حاجة 'عقلية' لمعرفة الفوائد التربوية في دينهم، مع أمنيات مستديمة أن تلتفت مدارسنا لتنفيذ أعمال تغرس القيم دون تعقيد، عبر شرح واستيضاح يصل للعقول ويلامس الوجدان بالاستنباط والتحليل
أحتفظ فيما تبقى من عملي التربوي السابق بملف تراكمي أفخر به وأضيف إليه دوريا قصصا وتجارب تربوية، وتستوقفني المناسبة هنا بأحد الزملاء عندما اغتنم فرصة الأيام العشر من ذي الحجة لتعويد أبنائه على مواظبة الطاعات، فاتفق مع أبنائه على أن يُعِدّ كل منهم لافتة يعلقها في حجرته، تحمل طاعة أو أدبا من الآداب التي سيتحلى بها في هذه الأيام كي ترسخ في لاوعيه.. وفي اليوم التاسع قام بتزيين منزله مع أبنائه وقدم دعوة لأبناء جيرانه وأقاربه، وأعد معهم أكياسا بها حلوى العيد بأشكال من تزيين الفريق، وقاموا بتوزيعها على الجيران والمباني المجاورة في يوم العيد.
وانطلاقا من عظمة الحج وحفه بشذرات من نفحات إيمانية، لعمل خالص في أيام بركات يمُنُ الله بها على المسلمين كل عام وركن خامس يحمل عدة معانٍ سامية، وفوائد عظيمة، ودروسا تربوية تساعد على تنمية الذات وترويضها نحو الخير والسلوك الإيجابي.
نجد أبناءنا وطلابنا في أمس الحاجة لمعرفة تلك الفوائد والدروس التربوية، مع أمان مستديمة أن تلتفت مدارسنا لتنفيذ أعمال تغرس في أبنائنا تلك القيم السامقة بـ(تبسيط) لمعانيها وأهدافها دون تعقيد، وبشرح واستيضاح يصل للعقول ويلامس الوجدان بالتحليل والتقويم.
ولعلنا هنا نطرح صورا وطرقا في تربية أبنائنا وغرس عادات حميدة عن فريضة الحج وعيده، تزامنا مع دور الآباء والمدارس وإداراتها المهم في تعزيز ذلك:
- عرض أعمال مسرحية في المدارس تبين فكرة الحج وتطبيقه عمليا، بعرض شريط فيديو لمناسك الحج، أو استخدام وسائل تعليمية كالخرائط والصور والمجسمات تصل حتى الطواف حول مجسم لكعبة مصغرة ومخططات للمناسك الأخرى، لشرح كيفية الحج، ومعرفة أماكن المناسك وتتابعها.
- تحديد اجتماع سنوي في المدارس لجميع الطلاب الذين سيؤدون فريضة الحج في المدرسة، وإقرار جزء من الفسحة اليومية أو حصة النشاط - إن وجدت - لعرض كيفية الحج بطرق عملية يتدرب عليها الطلاب والمعلمون، وفق برنامج سابق الإعداد إذ تكون فرصة جيدة للوعظ والإرشاد.
- إكمال البرنامج بعد إجازة العيد باحتفال مدرسي يتضمن استضافةً لمن أدى الحج من الطلاب والمعلمين، والحديث عن وصف شعورهم، وتجربتهم في ذلك، والمشكلات التي واجهتهم، وكيفية التغلب عليها والفوائد التي جنوها، مع دعمهم بهدايا تشجيعية وعبارات ترحيبية أمام مدخل المدرسة.
- عمل ورش عمل أو عصف ذهني وبرامج للتفكير تُقدم للطلاب في حصص النشاط لحل لبعض مشاكل الحج والحجاج المتكررة.
- تنظيم مسابقات وأبحاث سنوية، وتوزيع مطويات وبرامج وندوات عن فضل العشر الأوائل من ذي الحجة، وعن فريضة الحج.
- تشكيل لجنة داخل المدرسة تختص بالتكافل الاجتماعي التربوي، يشارك فيها الطلاب في مساعدة المحتاجين والمعوزين لزملائهم من أبناء المدرسة - بصفة سرية - ليشاركوا زملاءهم الفرحة بروح التكاتف والدعم التعاوني مع الآخرين، لعلنا نصل بهم لتربية الفرح والسرور.
تلك الأفكار وغيرها تطبيقا قد يصل (بعقول) أبنائنا إلى عظمة الحج وعظمة تأمل وتدبر هذه الفريضة العظيمة، وأن نعلمهم عبره كيفية الانتقال والأسفار والمشقة لمكان واحد وفي زمن واحد بصدق عزيمة وقوة إرادة مع فرصة عظمى للخروج من ذنوب وآثام كيوم ولدتنا أمهاتنا بنقاء النفس البشرية نحو الله عز وجل وباتباع محمد صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله حتى إتمام مناسك الحج، وفيه ما أعظم التربية على الأخلاق الحسنة بتجنب الأنانية، الجدال، والأنانية والتعصب، مع إبراز اللين والرفق بعمل ينكر فيه المسلم ذاته وتجاوزاتها، وفيه ما أعظم التربية على المساواة، فلا تميز لمسلم عن آخر، وليس لحاج خاصية تميزه عن غيره، فكل الأركان والواجبات متماثلة في حق الجميع، فتُمحى اللغة واللون والدولة، ويتساوى الغني والفقير، والوزير والغفير، لأنه لا اعتبار لشخص دون آخر إلا بالإخلاص في العمل فقط، مع ترسيخ لمعاني الأخوة الخالصة والألفة والوحدة الجماعية، يحفها الخالق عز شأنه، وكل عام وتربية أبنائنا بخير، وحجاجنا بقبول وأمان.