فكر اليوم هو سلوك الغد، والتصرفات والحركات والسكنات ما هي إلا تعبير أو انعكاس أو تفسير لما يحمله كل منا من أفكار وتصورات، ونحن بحاجة لمزيد من الفهم لجذور الأفكار المتهالكة التي أنتجت السلوكيات الخاطئة

أستطيع أن أكتب بكائية وصفية لمظاهر يندى لها الجبين، تعكس كم نحن نقلل من شأن بلدنا ولا أقول نكرهه بل لا نحبه حباً يليق به؛ أستطيع أن أصف حالة بسيطة كأن يلقي سائق أو طفل أو مراهق بمهملات من نافذة السيارة، أو حالة أكثر تعقيداً حين لا يعود الموظف يهتم لا بجودة أداء ولا حتى بالقيام بالعمل، أو حال أكثر وأكثر تعقيداً في المشاريع التي لا تنجز والمشاريع الوهمية وخلافه، ولكني أود أن أنحو منحى مختلفاً في هذا المقال، لأنني لا أظنني الوحيد الذي يستطيع أن يسترسل بأمثال كثيرة في هذا الباب، فيها ما شئت من أسف وحزن ومعاناة.
لنبدأ بسؤال أنفسنا لماذا تحدث مثل هذه المظاهر؟ ولا أظن الإجابة ستكون سهلة أبداً إلا إذا أردنا إجابة سهلة سطحية لا عمق فيها، حفظناها كابراً عن كابر، فستكون غياب روح العمل وضعف الإيمان وعدم الانتماء وإلى آخره من تعابير تدغدغنا وترضي سطوة النقد لدينا، بل أكاد أقول إن ظاهرة تسطيح المشاكل العميقة التي نعاني منها بإجابات وتعاليل سهلة مثل هذه لا تجاوز الحناجر هي في لب الظواهر السيئة التي أحاول أن أثير الانتباه إليها!
لنتفق جميعاً أن فكر اليوم هو سلوك الغد! وأن التصرفات والحركات والسكنات ما هي إلا تعبير أو انعكاس أو تفسير لما يحمله كل منا من أفكار وتصورات! ما أريد أن أصل إليه هو أننا بحاجة لمزيد من فهم جذور الأفكار الميتة والمريضة والمتهالكة والقاتلة التي أنتجت هذه السلوكيات الخاطئة! إن هذا يتطلب منا حفراً ميدانياً في حقولنا الثقافية أشبه ما يكون بالتنقيب لا أقول عن الآثار ولا عن النفط بل عن جذور الخلل والعطب في تولد أفكار تنشئ سلوكيات تهدم الدنيا والدين!
لنأخذ مثلاً موضوع المال العام وضرورة مراعاته والحفاظ عليه، ولنسأل سؤالاً بسيطاً: ما الفكرة التي يحملها من يخرب بإلقاء بقايا طعامه من نافذة سيارته أو من يفسد في تنفيذ مشروع ما؟ إذا حفرنا ماذا سنجد؟ وأحاول أن أتخيل معكم: هل سنجد مثلاً أن هذا المال العام أمر مقدس علينا جميعاً أن نحافظ عليه؟ ولماذا نحافظ عليه؟ لأن في ذلك حفظا لأرواحنا وحفظا لمجتمعنا ورقيا له وتطورا وحضارة؟ أم سنجد من يقول: هذه مسؤولية البلدية، فإذا لم نلق القاذورات في الشارع فأي شيء سينظفه عمال البلدية؟ أم إنه ارتبط في أذهاننا أن هذا أمر حكومي فإذاً هو الإهمال والتقصير، فلا نقابله إلا بمزيد من الانتهاك والسرقة والتقصير؟ ولنحفر وننقب أكثر: هذه ليست معصية! هذه مساعدة لي، لأني أستحق هذا أو كلهم سرقة مرتشون أو سيغفر الله لي ذنبي، هل درجة شعورنا بالذنب الفردي أو الشخصي كمثل شعورنا بالذنب المتعدي والمؤثر على مصلحة الناس والمجتمع؟ ذنوب الموسيقى والمعازف والغناء الفاحش المحرم أكبر في فكرنا واعتبارنا أم انتهاك حرمة المال العام وتخريب المنشآت والعبث بكل ما هو حكومي؟ ولنحفر أكثر وأكثر: فهل سنجد شيئاً عن فكر الجمال والاحتفاء به؟ سنجد آيات وأحاديث كثيرة لكن أين تفسيرها المعاصر؟ أين تطبيقها العملي؟ لماذا نقرأ دون اعتبار: انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه(الأنعام 99) ولماذا نمر على وصف جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا – كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً وفجرنا خلالهما نهراً (الكهف-33)؟ أظن أن أغلبنا لا يعرف من قصة ملكة سبأ سوى أنها المرأة التي كشفت عن ساقيها!! وأذكر قديماً أحد الغيورين يسأل ويستفسر من عالم عن هذا الخدش الذي أصاب حياءه وهو يقرأ في القرآن الكريم أن امرأة كشفت عن ساقيها!! عبث الأفكار هذا ومرض الوعي والنفس هو الذي يذهب روعة وجمال المعنى والدلالة؛ فبعد أن أراها نبي الله سليمان (عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام) عرشها قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين وبعد ذلك قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير (النمل 42،44).
إن التقدم العلمي والحضاري والنزعة الجمالية والتفنن في الإتقان لا تكون إلا لوازم للإيمان الحق، أم أننا لا نستوعب بل ولا نفهم أو لا نريد أن نفهم ما الرابط بين أوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين وبين جمال وروعة وشفافية ونقاء الزجاج المبسوط بهندسة فنية راقية على سطح الماء الذي لروعته ودقة صنعه اختلط بسببه الأمر على ملكة سبأ (الحكيمة صاحبة الرأي السديد الذي حفظ قومها وبلدها) فلم تعد تدري أنها ستمشي على زجاج فكشفت عن ساقيها ظناً منها أنها ستخوض غمار لجة الماء فجاد الرد:” إنه صرح ممرد من قوارير (النمل 44)، فالتقدم الحضاري يجب أن يكون قرين الإسلام.
لن أسترسل أكثر في الحفر والتنقيب ولكن لكي أؤكد على أهمية هذا العمل، إذ يفترض أن تكون له توابع تمس مفاصل التربية والتعليم والإعلام، ولكن أذكر قبساً من رواية ظريفة للأستاذ توفيق الحكيم هي يوميات نائب في الأرياف فيه إشارة عميقة لسلوكيات نشأت من أفكار لا تدري ماذا ستجد لو أعملت حفرا وتنقيباً عن جذورها!! ألفت الرواية في الربع الثاني من القرن العشرين، واعتبرها بعض النقاد أحسن رواية كتبها الحكيم، وهي تحكي قصة نائب (ضابط) يحقق في جريمة قتل، فلندعه يحكي على لسانه:
ف.....فأمليت عليه الديباجة المعروفة:”نحن فلان وكيل النيابة ومعنا فلان كاتب التحقيق. الليلة الساعة كذا وردت إلينا الإشارة التليفونية رقم كذا ونصها كذا وعليه قمنا بسيارة إلى ناحية كذا، فبلغناها افتتاح هذا المحضر إلخ إلخ..
ذلك أني أعني دائماً بتحرير محضري أن أجعله مرتباً ترتيباً منطقياً، والمحضر هو كل شيء في نظر المسؤول. وهو وحده الشهادة الناطقة للنائب بالدقة والبراعة. أما ضبط الجاني فأمر لا يسأل عنه أحد. ويلي الديباجة وصف الإصابة والملابس والموضع الذي وجد فيه المجني عليه. فما قصرنا. وأمليت على الكاتب أوصاف ذلك الجرح الناري الذي رأينا ثقبه المتسع في كتف المصاب إلى أن يقول: نعم لم ننس تكة اللباس ونوع نسيجها، فإن ذكر التفاصيل دليل على الدقة والعناية. هكذا تعلمنا التحقيق كابراً عن كابر! وأذكر أني تركت ذات مرة جريحاً يعالج سكرات الموت، وجعلت أصف سرواله وتكته وبلغته ولبدته فلما فرغت انحنيت على المصاب أسأله عن المعتدي عليه، فإذا بالمصاب قد توفي...
هذا كما يذكر تندراً في المجال الطبي أن العملية نجحت نجاحاً باهراً ولكن المريض مات!!