وإذا ما انتظرتم من كاتبكم أن يعطي رأيه في (فاجعة الخميس) في قلب الغالية الرياض، فإن الهزيمة الأولى ليست في إجراءات الأمن والسلامة لآلاف قنابل الغاز المتحركة في شوارعنا على هيئة حاويات، بل هي في الهزيمة الأهم وهي السقوط الأخلاقي على أطلال وهوامش كل حادث أو كارثة. ومن المخجل بمكان أن تكون مقاطع صور اللصوص وحرامية الكوارث هي الصورة الأكثر تداولاً من صور الفاجعة نفسها وهم يسرقون كل شيء في محيط الحادث المؤلم، ومن العيب أيضاً وبأرقام المشاهدة على (اليوتيوب) أن يتناقل ذات المجتمع مقاطع اللصوص بضعف تداوله لمقاطع الكارثة.
هؤلاء المجرمون أخطر من ألف حاوية غاز وأدهى من ألف حادث سير لأنهم يكشفون عن غطاء اجتماعي منزوع من الحد الأدنى لمفهوم الإنسانية. هم وصلوا بالعلن والجهر وحتى بالوجه الواضح المكشوف إلى الحديث عن مكان الخزانة المالية للشركة المجاورة لموقع الكارثة وسأشعر بالخجل الشديد حين أكتب أن زوار هذا الموقع لذات المقطع وصل مساء البارحة لما يقترب من المئة ألف مشاهد.
نحن على هذه الحالة مع كل حادث سير منذ عقد من الزمن. سأعود بالذاكرة إلى بكاء أب مكلوم جاء لمكتبي الجامعي قبل أشهر يطلب الكتابة عن ابنه الراحل الذي سرقوا منه كل شيء في حادث سير: كل أوراقه وبطاقاته وأجهزته، ومن جيوب جثة ميتة تركوها تنزف على الطريق المهجور وهو ينازع النفس الأخير حين كان (حياً) بشهادة منقذ لم يستطع وحده أن يوقف هذه الوحشية. ومن يستمع إلى كلمات (الشاهد المنقذ) الذي كان معه سيشعر فعلاً أننا بلا غطاء إنساني. ومن المخجل أننا لم نستطع القبض على حادثة واحدة من لصوص الحوادث والكوارث كي يكون عبرة لمئات المنتفعين من هذا ـ البزنس ـ الحيواني المتوحش. ومرة أخرى، لا يوجد في القاموس منطقة رمادية لمفردات اللغة. شاهدت هؤلاء بأم عيني وهم يسرقون جيوب أبناء المتوفى وهم يحملون والدهم الراحل في مسجد الراجحي بأبها. قبضوا عليه ولكننا لم نسمع عنه فيما بعد. وغدا سأكتب عنوانا عن فاجعتي الرياض وعين دار في بقيق: عنوانا: عن الذين يقنعوننا أن كل ما حصل كان قضاء وقدراً، نعم، ولكنه ـ عند الأخذ بالأسباب ـ خطأ بشري يستحق ألف سؤال حوله.