واجب 'الصحة' أن تعلن عن مواسم الإنفلونزا 'العادية، الخنازير والكرونا الجديد'، وتعلن عن اللقاحات المتوافرة وطرق الوقاية وتترك للمواطنين القرار

 جلس رجل حكيم في قاعة مليئة بالحضور وقام بإلقاء نكتة أضحكتهم حتى البكاء، وعندما توقف الضحك، ألقاها مرة أخرى، فضحك بعضهم وصمت العديد. استمر الحكيم في إلقاء النكتة نفسها مرات عديدة حتى توقف الجميع عن الضحك، وحينها سألهم الحكيم: لا يمكنكم الضحك على النكتة نفسها مرارا وتكرارا، إذن لماذا تبكون على نفس الأشياء المحزنة بشكل متكرر ومتواصل؟
أتت الإجابة الحكيمة بأن الأشخاص يتوقفون عن الضحك على نفس النكتة لفقدانها عنصر المفاجأة الأولى الذي يلبي غريزة توقع المجهول لدينا، أما عندما تكون الأمور الحزينة متوقعة ومؤكدة فحينها نبكي ونستمر في البكاء لعلمنا بمجراها ونتائجها. لم يتوقف الحكيم عند التفسير وإنما تجاوزه لطرح الحل وهو أن نستبدل ما يحزننا وما يبكينا عوضا عن الاستمرار بالبكاء عليه.
هذا الحكيم اختصر الحل لرحلة لنا طويلة من الحزن والإحباط من وزارة الصحة، فما كان يضحكنا في الماضي من تصريحات نارية وسياسات متخبطة، أصبح سببا لبكائنا من دون توقف مع معظم أخبار الوزارة وتحركاتها.
البكاء تحول لنحيب مطلع الأسبوع حينما طالعتنا الصحف ووسائل الإعلام بخبر تفشي إنفلونزا الخنازير في مجمع الأمل في الرياض. هذا النحيب لا لوفيات ولا لإصابات وإنما لثقة تم دق المسمار الأخير في نعشها ودفنها، نحيب على خرق أخلاقيات الصحة العامة والاستقواء على المستضعفين الذين لا حول لهم ولا قوة، والتصريح بأن طبيعة حالاتهم تجعلهم عرضة للأمراض المعدية لتزيد من وصماتهم الاجتماعية والصحية لعلها تشفع لتقصير الوزارة وضبابية خدماتها، نحيب على القول للرأي العام بأن إنفلونزا الخنازير عادت بينما هي لم تغادر أعتاب الدار، نحيب على استخدام الحج في مكة عذرا لا منطقيا للتكتم على تفشي مرض في الرياض، نحيب على عجزنا عن تحسين مستوى خدماتنا والاستمرار بالبكاء على أحد أهم حقوقنا: الصحة.
إنفلونزا الخنازير لم تغادر العالم ولم تغادرنا، فهي ما زالت موجودة كأحد أهم أنواع الإنفلونزا الموسمية، وعوضا عن التوعية بأن هذه الشهور هي الشهور الموسمية لها والتوعية بأهمية اللقاح؛ الذي لم نعمل سابقا على توضيح أهميته وخاصة للحوامل والأمراض الصدرية والأمراض المزمنة كالسكري والقلب والكلى، نجد أن الوزارة تخفي أخبار الحالات وتقلل من أهميتها، بل وتفاخر بوجود علاج في كشف واضح لسياسة هي أن العلاج أهم من الوقاية.
قد يكون إخفاء الإعلان عن الحالات استراتيجية سهلة وأقل تكلفة وجهدا من التوعية التي يتم صرف الملايين عليها سنويا لتذهب في إعادة طبع المنشورات ومواقع عفا عليها الزمن، ولكن غاب عن الوزارة خطورة هذا الإخفاء الذي أتى بعد فيروس الكرونا الجديد الذي ما كانت لتعلن عنه لولا تبليغ المملكة المتحدة عنها.
ليس للوزارة الحق في أن تقرر عن المواطنين، فواجبها أن تعلن عن مواسم الإنفلونزا (العادية، الخنازير والكرونا الجديد) وتعلن عن اللقاحات المتوافرة وتعلن عن طرق الوقاية والكشف المبكر والعلاج المتوافر، وتعلن عن الفئات الأكثر عرضة للخطورة وتترك للمواطنين القرار والاختيار.
تفشي إنفلونزا الخنازير في مجمع الأمل ليس بمستغرب، فالإنفلونزا متواجدة وتضرب العديد ولكن لا يتم الإفصاح عنها ولا الإعلان عنها، حيث إن العديد من الحالات يتم شفاؤها بلا علاج ولا لقاح، ولكن بعضها قد يتسبب في الدخول للعنايات المركزة بعد فوات الأوان، ولو علم أصحابها أن إنفلونزا الخنازير لم تختفِ وقاموا بأخذ اللقاح لكانت فرصتهم أفضل بإذن الله.
للأسف فالوزارة لم تخف الحالات فقط بل وتجاوزتها لتعلن عن شفائها بعد يوم واحد من الإعلان عنها، وأنه لا إصابات جديدة، في تجاهل لوجود فترة حضانة للفيروس قد تظهر أعراضها على المخالطين مستقبلا. هذه التصريحات المتتالية الضعيفة علميا ومنطقيا تدفعنا لمطالبة الوزارة بنشر إحصائيات إنفلونزا الخنازير من عام 2009 (عام التفشي العالمي) وحتى الآن، ونشر عدد الوفيات وأعمارهم وأمراضهم بتسلسل زمني وموسمي حتى يتسنى للمواطن التأكد من صحة التصريحات.
ما بين فيروس الكرونا الجديد وإنفلونزا الخنازير نكت ممجوجة وبكاء عميق على ثقة صحية معدومة لطالما طغت ضحكاتها على نحيب المواطنين.