نحتاج إلى ميثاق جديد للصحافة الاقتصادية، التي أصبحت تعتمد أكثر فأكثر على الشركات في نشر الأخبار والتحليلات عن قطاع الأعمال، مما يجعلها أقل حرصا على توعية المستهلك بمخاطر المنتجات المالية والعقارية الجديدة

لعلك فوجئتَ كما فوجئتُ عندما نشرت إحدى الصحف المحلية الأسبوع الماضي، في صفحتها الأولى، تقريراً عن منجزات إحدى الشركات المعروفة، ولم يكن هذا التقرير في حقيقته سوى إعلان في صيغة تقرير، دون تقييم أو تحليل مستقل من أي نوع.
ووضعتْ الصحيفة التقرير في أعلى صفحتها الأولى، إلى جانب الأخبار عن صحة الملك (حفظه الله وأسبغ عليه ثوب العافية)، ولكن فوق الأخبار عن غزة، وعن محاكمة المتهمين بالإرهاب في الرياض. وربما بالصدفة وُضع التقرير عن هذه الشركة في المكان نفسه من الصفحة التي عادة ما تُنشر فيه إعلاناتها في الأسابيع الماضية.
وهذا المثال ليس سوى أحدث وأوضح مثال من كثير قامت فيها بعض الصحف بالخلط بين الإعلان والتقارير المستقلة. وكان هذا الخلط أظهر ما يكون في الملاحق الاقتصادية، ولكنه الآن امتدّ إلى الصفحة الأولى. وهو جزء من مشكلة أكبر أصبحت تشكل ظاهرة في التقارير الاقتصادية، وتأخذ صفات متعددة. ومن المؤكد أن لذلك تداعيات سلبية سواء بالنسبة للقارئ أو المشاهد الذي قد يتأثر بها، أو للاقتصاد الوطني، فكثيرا ما تُسهم تلك التغطيات في تغذية الفقاعات الاقتصادية، من عقارية أو مالية أو غيرها، وفي تمرير الأسعار المبالغ فيها.
ولا أتحدث هنا فقط عما أصبح أسلوباً شائعاً، وهو إعادة نشر الأخبار الصحفية التي تعدها الشركات المعنية عن أنشطتها، دون الإشارة إلى مصدرها ودون التعقيب عليها أو تحليلها. فهذا الأسلوب منتشر في الملاحق الاقتصادية على وجه الخصوص، وهو أسلوب واضح ومكشوف ولهذا فإن ضرره محدود.
ولكن ما هو أكثر تضليلاً هو نشر أخبار وتقارير مفصلة ظاهرها أنها تحقيق مستقل ولكنها في حقيقتها تحتوى وجهة نظر الشركة المعنية وحدها، أو وجهة نظر القطاع، دون تحليل مستقل.
ومن ذلك تقارير نُشرت في صحفنا تُبرّر رفع أسعار المواد الغذائية في المملكة مستندة إلى ارتفاع مزعوم في الأسعار العالمية لتلك المواد، في حين أن الأسعار العالمية لمواد الغذاء قد انخفضت في حقيقة الأمر، كما كتبتُ في الوطن سابقاً (لماذا تنخفض أسعار الغذاء عالميا وترتفع محليا؟ الوطن – 13 نوفمبر 2012).
وكتبتُ أيضا في الماضي عن تقرير مفصل نشرته إحدى الصحف المحلية يدعم رفع أسعار الملابس في المملكة، مستشهداً بأقوال التجار إن الأسعار العالمية للقطن قد ارتفعت، مما يبرر في رأيهم رفع أسعار سلعهم، في حين أن أسعار القطن كانت في انخفاض حاد وقتها. ولم يرجع التقرير إلى أي مصادر معلومات مستقلة، محلية أو عالمية، بل اقتصر على استقراء آراء تجار التجزئة والجملة في قطاع الملابس، الداعمة لرفع الأسعار.
ونرى الظاهرة نفسها في قطاع العقار. فكما نعلم أصاب الكساد هذا القطاع في أميركا وأوروبا، وبشكل أقل في منطقتنا، ولكن ردود الفعل مختلفة، ففي أميركا وأوروبا اضطرت شركات التطوير العقاري إلى المراجعة وتبني شفافية أكبر في محاولة للدفاع عن نفسها أمام موجة السخط الكبيرة بسبب انهيار الأسعار واكتشاف ممارسات خاطئة في أساليب التسويق والتمويل. ولكن المطورين لدينا لم ينحوا هذا المنحى، بل استمروا في التسويق بأساليب ما قبل الأزمة، وساعدهم في ذلك التغطية الإعلامية غير المهنية، فتجد مثلا برنامجا تلفزيونيا عن العقار استمر لعدة أشهر، وركز على برامج شركة تطوير عقارية معينة، واعتمد اعتماداً شبه كلي على مقابلات مع المسؤولين في هذه الشركة، التي كانت أيضاَ الراعي الرئيسي للبرنامج، وكانت السلسلة بمثابة إعلان غير مباشر لها.
وفي الحقيقة فإنه كان ثمة دائمة توتر بين أخلاقيات الصحافة والكتابة في القضايا الاقتصادية، ربما أكثر من أي فرع آخر من الصحافة، فهناك مغريات كبيرة تواجه الصحفي الاقتصادي، يمكن أن تؤثر في تقاريره أو تحليله، بشكل مباشر أو غير مباشر، بقصد أو غير قصد، وهناك أيضا الخبرة والمعرفة، فكثير من المنتجات الجديدة في عالم الاقتصاد والعقار والخدمات المالية جديدة وعصية على الفهم، مما يُضطر الصحفي إلى الاعتماد في تقييمها على مطوري تلك المنتجات، أكثر مما يجب لصحفي مستقل.
ولكن الأزمة المالية العالمية عندما كشفت الكثير من الممارسات الخاطئة والمضللة في مجال الأعمال، كشفت معها كذلك تواطؤ بعض وسائل الإعلام أو إهمالها في الكتابة الموضوعية عن تلك الممارسات، فاتضح مثلا أن التغطية الإعلامية لقطاع العقار، وقطاع الخدمات المالية والبنوك، على وجه الخصوص، لم تُدرك حجم الفقاعة التي كان ذلك القطاعان يعيشانها، وتعود الصحفيون والمستهلكون على سماع الأخبار الإيجابية بحيث نسوا الأخطار الجسيمة التي تنطوي عليها المنتجات العقارية والمالية الجديدة.
وقد دفع ذلك المستهلكين المتضررين في أميركا وأوروبا إلى الشكوى من ممارسات الصحافة الاقتصادية، والمطالبة بميثاق مهني أقوى للعاملين فيها، ومتابعة أفضل للالتزام به.
ولذلك قامت المؤسسات الصحفية في أميركا على وجه الخصوص، بالإضافة إلى هيئات الصحفيين ومدارس الصحافة، بمراجعة أصول مهنة الصحافة الاقتصادية وقواعدها ومواثيق عملها. ولكن هذه المراجعة لم تجد طريقها حتى الآن إلى مؤسساتنا الصحفية.
وقد تم تطوير عدد من المواثيق المفيدة في رأيي، منها (ميثاق داو جونز لأخلاقيات المهنة)، و(ميثاق رويتر لأخلاقيات المهنة)، و(ميثاق الإعلام الاقتصادي الأميركي لأخلاقيات المهنة)، و(ميثاق محرري مطبوعات الجمعية الأميركية للنشر الاقتصادي)، و(بيان الأسوشيتد برس لقيم ومبادئ الأخبار)، و(ميثاق الجمعية الأميركية لمحرري وكتاب الاقتصاد لأخلاقيات المهنة) وغيرها.
وأي من هذه المواثيق يكفي كبداية، وهي متشابهة إلى حد كبير، وتبنيها أو أي صيغة مشتقة منها، من قبل مؤسساتنا الصحفية سيشكل دفعة كبيرة إلى الأمام. ولكن قيمة أي ميثاق تعتمد على درجة الالتزام به.
وإذا لم تكن المؤسسات الصحفية مستعدة أو قادرة على الالتزام بمواثيق أخلاقيات المهنة، فإن المسؤولية تقع على كاهل الجمعيات المهنية للصحفيين لمتابعة الالتزام بها.
وإذا لم يكن هذا أو ذاك، كما يبدو في منطقتنا، فإن العبء يقع على مستهلك الأخبار الصحفية لتمحيص الأخبار والتأكد من صحتها.