قبل أيام، غادرت إلى دولة قطر الشقيقة للمشاركة في ملتقى السرد الخليجي الأول، أحمل جوازي الأخضر مزهوة لأنه يخلو وللمرة الأولى من ورقة تلصق به وتفوقه أهمية، وهي تصريح ولي الأمر بالخروج من هذا المنفذ الحدودي أو ذاك، حيث شملتنا التكنولوجيا فأصبح التصريح إلكترونيا، لكنني افترضت من باب التفاؤل انتهاء العمل بهذا التصريح الذي ينتقص مكانة المرأة، عبرت الحدود ولله الحمد، وما هي إلا دقائق حتى وصلتني رسالة محولة إلي من زوجي أرسلت له من إدارة الجوازات، تقول: تم خروج زوجتك رقم (..) عبر المنفذ (...) بتاريخ.. الساعة..
شعرت به وكأنه يضحك ضحكة تهكمية قائلا: الأرض أرضي والسماء سمائي، وأنا بهذه المناسبة، لن أتحدث عن الكم الهائل الذي منحتني إياه هذه الرسالة من التحقير والإهانة، واعتباري كائنا قاصرا بجدارة، يخول الجميع أن يراقب تحركاتي ويبلغ بها (ولي أمري) حتى لا تبعد بي قدمي هنا أو هناك، لكنني وفي مقامي هذا أود أن أقدم شكرا واقتراحا، فأنا أشكر إدارة الجوازات التي تكبدت عناء إرسال هذه الرسائل رغم مشاغلها التي تنوء بها، لكن كانت المرأة على قائمة أولوياتها مشكورة، وبذلك تكون قد سخرت تكنولوجيا العصر الحديث للتأسيس لأفكار ومبادئ رجعية متخلفة تتعلق بكيفية النظر إلى هذا الكائن (المرأة)، ولعمري هذا إنجاز لم يسبقنا اليه أحد من العالمين، ويا حبذا لو أوقفت المرأة المسافرة على الحدود هي وحقائبها، حتى يرد الرجل بالعلم والموافقة، فقد يكون نائما وقت وصول الرسالة فلا يقرؤها إلا بعد فوات الأوان، وخراب مالطا.
أما الاقتراح، فأنا أقترح على أولياء الأمور أن يقوموا ـ وتحت مظلة ودعم يقدم لهم من الجهات المعنية ـ بشراء أجهزة خاصة تعلق على رقاب المحكومين بالإقامة الجبرية في دول الغرب، حيث ترصد كل تحركاتهم، فيعلق واحد منها على عنق كل امرأة يخشى هروبها، فتصل ولي أمرها رسالة بكل تحركاتها، حرمتك تخرج من السوبر ماركت الساعة..، حرمتك تدخل المكتبة الساعة.. حرمتك تخرج من المكتبة الساعة..، حرمتك تدخل كابينة جهاز الصرف الآلي الساعة.. وبذلك تكون هذه الحرمة تحت السيطرة، ويبدو أن الأغنية العربية كانت تستشرف المستقبل، فالمطرب الذي غنى أغنيته الشهيرة طالعة من بيت أبوها، رايحة بيت الجيران كان يغنيها على لسان موظف جوازات يرسل رسالة صوتية، لأحد أولياء الأمور.