خنق اقتصاد المستوطنات من خلال السعي للدفع بسياسة عالمية تحظر البيع أو الشراء من تلك المستوطنات سيرفع بالتالي تكلفتها على إسرائيل ويزيد من كونها عبئا عليها

في أول رد فعل لحكومة إسرائيل على الانتصار الكبير الذي حققته فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، قامت الحكومة الإسرائيلية بإعلان مصادقتها على مشروع بناء وحدات استيطانية في منطقة E-1 وهي الممر الفاصل بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم شرق القدس. وخطة بناء المستوطنات على هذه المنطقة تحديدا هي خطة قديمة تم إيقافها بضغط دولي نظراً لما تمثله تلك المنطقة بكونها ممر الاتصال الجغرافي بين شمال وجنوب الضفة الغربية، (على اعتبار أن التفكير الدولي بخصوص حل الدولتين يرى إمكانية تبادل الأراضي بين الجانبين والإبقاء على مستوطنة معاليه أدوميم الكبيرة شرق القدس). إعلان بناء مستوطنة إسرائيلية على منطقة E-1 تصبح بالتالي خطوة ذات بعد سياسي في المقام الأول كونها تهدم أي سبيل حل للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، الأمر الذي تسبب في الهجوم الدبلوماسي الكبير دوليا على إسرائيل عقب إعلانها هذا الأمر، من خلال استدعاء العديد من الدول للسفراء الإسرائيليين لديها للاحتجاج، بما فيها ألمانيا، فقد صرحت المستشارة ميركل علنا بعد لقائها بنتنياهو الأسبوع الماضي بمعارضتها للمشروع، وكذلك فعلت على سبيل المثال كندا (الدولة الأكثر انحيازا لإسرائيل في العالم تحت ظل حكومتها اليمينية المحافظة التي صوتت ضد فلسطين في الأمم المتحدة). نتنياهو من جهته حاول التخفيف من حدة هذا الإعلان الإسرائيلي بالتصريح أن الأمر مجرد مصادقة على البناء وليس شروعا فيه، وأنه خطوة رمزية تقابل خطوة فلسطين الرمزية في الأمم المتحدة. لكن خطوة نتنياهو هذه أبعد ما تكون عن الرمزية. للمستوطنات دور كبير جدا في صياغة السياسة الإسرائيلية.
يوجد في الضفة الغربية اليوم أكثر من 120 مستوطنة بها أكثر من 300 ألف مستوطن. الوضع الديمغرافي للمستوطنات يلعب دورا كبيرا أيضا لفهم عقلية السياسي الإسرائيلي، فنسبة زيادة السكان عند المستوطنين يتراوح بين 1.5 إلى 4 أضعاف المتوسط داخل إسرائيل. ويزداد معدل المواليد طبقا للخلفية الدينية (المتشددون لديهم نسب المواليد الأعلى)، كما أن المستوطنين بالمقارنة مع الإسرائيليين داخل الخط الأخضر هم أكثر تنظيما على صعيد المشاركة السياسية. هذه الحقائق دفعت بالسياسة الإسرائيلية لناحية اليمين السياسي بصورة كبيرة خلال العقد الماضي نظرا لتمركز القوة الحقيقية للناخبين بين المستوطنين أو أولئك المتشددين الداعمين للاستيطان داخل الخط الأخضر. ليبرمان وزير خارجية إسرائيل نفسه مستوطن يسكن في إحدى المستوطنات. الساسة الإسرائيليون لم يعودا قادرين اليوم على الفكاك من معضلة المستوطنات التي باتت تمثل- كقضية وكناخبين- العتبة الأساسية لفوز أي سياسي بالانتخابات. ومن جهة أخرى فإن قوة المستوطنين والمتشددين تظهر أكثر داخل الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، حيث أظهروا قدرتهم خلال السنوات الماضية على الدفع بتشريعات تصب في مصلحة توسيع الاستيطان أو توسيع الدعم السياسي والاقتصادي له.
بين عامي 2010 و2011 زادت حكومة نتنياهو من الإنفاق على المستوطنات بنسبة 38%، ولا يتعلق الأمر فقط بالبناء وإنما يتضمن أجهزة ومؤسسات الدولة الأمنية والإدارية والمالية (دعم وقروض للمستوطنين). هذا الإنفاق تسبب مع الوقت في مشكلة داخلية برزت مع مظاهرات 2011 التي اجتاحت تل أبيب مطالبة بالعدالة الاجتماعية. كإيجاد سكن وتخفيض نظام الضرائب، في الوقت الذي يتمتع فيه المستوطنون بسياسات حكومية من قبيل تخفيض الضرائب ونظم رهن عقاري مريحة.
طبقا للباحث الإسرائيلي الشهير غيورا إيلاند في ورقته عام 2008 بعنوان إعادة التفكير في حل الدولتين فإن تفكيك 22 مستوطنة في غزة وإعادة توطين سكانها البالغين حوالي 8 آلاف شخص داخل إسرائيل كلف الدولة ما يقارب من 2 مليار دولار.
إسرائيل واقعة اليوم في معضلة مستوطنات تكلفها اقتصاديا الكثير لإبقائها، وستكلفها أكثر لتفكيكها وتركها. للعرب فرصة كبيرة في مواجهة إسرائيل من خلال اللعب على ورقة اقتصاد المستوطنات ولعل أبلغ شيء يمكن عمله هو الدفع بقوة في حملة مقاطعة بضائع المستوطنات (خاصة بعد حصول فلسطين على وضعها الجديد كدولة محتلة)، فهذه المستوطنات التي تستفيد من السياسات التحفيزية لإسرائيل يمتد لها شريان حياة من خلال إنتاجها بضائع يتم بيعها حول العالم. وطبقا لتقرير منشور في أكتوبر 2012 أعدته 22 منظمة غير حكومية أوروبية بعنوان المتاجرة بالسلام بعيدا: كيف تساعد أوروبا على استمرار المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية فإن حجم ما تصدره المستوطنات لأوروبا فقط يبلغ 300 مليون دولار سنويا، ويشير التقرير إلى أن هذا الحجم يرتفع مع احتساب ما يتم إنتاجه أو تصنيعه جزئيا بين المستوطنات وإسرائيل. ويوصي التقرير الاتحاد الأوروبي بتطبيق سياسة وضع علامات مميزة (labeling) على ما يتم إنتاجه أو تصنيعه في المستوطنات وتفرقتها عما يتم في إسرائيل كطريقة للتضييق على منتجات المستوطنات. وهذه السياسة التي أعلنت عدة دول بتطبيقها كالدنمارك وجنوب أفريقيا بدأ الاتحاد الأوروبي مناقشة إمكانية تطبيقها كسياسة عامة للاتحاد.
دعوة مقاطعة منتجات المستوطنات ليست جديدة وإن كانت لا تزال غير فاعلة. الجامعة العربية لديها مكتب مقاطعة إسرائيل الذي تم إنشاؤه عام 1951، وربما آن الأوان لإعادة تفعيل دور هذا المكتب مع التركيز على منتجات المستوطنات (الكلية والجزئية)، وإعداد استراتيجية عربية تستفيد من الزخم العالمي المؤيد لعدم شرعية المستوطنات ومنتجاتها، وذلك من خلال الضغط على دول العالم لتفعيل قوانين منع الاستيراد من المستوطنات أو رفع الضرائب الجمركية عليها إضافة لحملات إعلامية وتوعوية لمواطني الدول المستوردة لتلك المنتجات لمقاطعتها. هناك حزمة كبيرة من القرارات الاقتصادية والمالية التي يمكن للعالم تطبيقها بحق المستوطنات لخنقها اقتصاديا وماليا، والتقرير المشار إليه يوردها بوضوح. وهذا الأمر بات اليوم يحظى بقبول من المجتمع العالمي الذي يرى ضرورة التصدي لعدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية.
الاقتصاد سلاح قوي، وخنق اقتصاد المستوطنات من خلال السعي للدفع بسياسة عالمية تحظر البيع أو الشراء من تلك المستوطنات سيرفع بالتالي تكلفتها على إسرائيل ويزيد من كونها عبئا عليها، وقد يدفع هذا أيضا للمزيد من الانقسام داخل إسرائيل نفسها التي وضعت نفسها في زاوية ضيقة بسبب تلك المستوطنات.