أن تقف جماعات ضغط غربية أو حتى أفراد أوروبيين ضد النقاب إما جهلاً أو حقداً هو أمر مفهوم، وربما يكون من المفيد أن نتحاور معهم، لكن أن يتبرع مسلمون من بلداننا ليدعموا الطرف الآخر ضد إخوة الدين والعقيدة، فهذا ما لا أفهمه!
أقيم حالياً في منطقة شرق لندن، وبالإضافة إلى كون أحد أحيائها (كناري وارف) هو منطقة المال والأعمال اللندنية، فإنه تسكن في محيطها نسبة كبيرة من المسلمين. هنا لا تستغرب أبداً من رؤية النقاب والحجاب بكل أشكاله. ترى المرأة المسلمة في البقالة بائعة أو متسوقة، وتراها في الشارع راجلة أو قائدة للسيارة، وتراها أيضاً موظفة في الشرطة المحلية وعاملة في مطعم. وحتى تتأكد بأنك في بريطانيا فعليك أن تجرب الحديث مع منقبة هنا وستجيبك بلكنة إنجليزية لا تخطئها الأذن، فهذه السيدة ليست مهاجرة بائسة من بلاد الحريم وإنما إنجليزية من بنات هذه الأرض.. فهذه لندن وهذه مواليدها. والحرية الدينية في هذه الجزيرة الرائعة هي واحدة من الأشياء التي تجعلني أكن للمملكة المتحدة معزة خاصة.
فوسط موجة التعصب التي تجتاح أوروبا وحالة (الإسلاموفوبيا) المتفشية هذه الأيام، من سويسرا التي ضاقت بمئذنة، وفرنسا التي منعت النقاب في الأماكن العامة كما منعت قبله الحجاب في المدارس والجامعات والدوائر الحكومية، ودول أخرى مثل إسبانيا وبلجيكا وألمانيا وهولندا والدنمارك تتحفنا كل يوم بمقال سخيف أومشروع دراسة لقانون عنصري ضد المسلمين؛ فإن وزيرة بريطانية شجاعة وقفت لتقول رأيها بصراحة، وهو بالطبع معارض لرأي ليس متطرفي الغرب بل متطرفينا الليبراليين أيضاً. فقد قالت وزيرة البيئة (كارولين سبيمن)، والتي تعرضت إلى انتقادات واسعة بعد تصريحاتها، بأن: البرقع قد عزز من حرية أولئك النسوة اللائي ترتدينه. وكان زميلها في الحكومة الائتلافية أيضاً وهو من حزب المحافظين قد قاوم الدعوات التي سرت داخل حزبه مطالبة بالسير خلف القانون الفرنسي. فوزير الهجرة (ديمين غرين) قد رد قائلاً : سن قانون يمنع النقاب هو أسلوب غير بريطاني.. ويتعارض مع مبادئ التسامح واحترام الآخر التي تحكم مجتمعنا.
قضية تغطية الوجه (وهي ليست موضوع هذا المقال) فيها اختلاف فقهي قديم، وهناك أدلة عديدة لدى كل مدرسة تؤيد أقوالها. كما أن للبيئة الجغرافية دورها أيضاً، فالنقاب ينتشر في الجزيرة العربية وأفغانستان وباكستان أكثر من انتشاره في بلاد الشام أو العراق أو إندونيسيا. ولو أن كل فئة وعت حقيقة بأن الاختلاف رحمة لكنا بألف خير، ولكن للأسف لا يزال المسلمون أنفسهم يضيقون على المسلمات بفرض النقاب قسراً أو حظره عنوة. ويصبح الوضع أكثر سوء حين يبدأ الغرب نفسه بالاستشهاد بما يحدث في الدول التي غالبية سكانها مسلمين، وإن كانت جلها لا تطبق الإسلام، لتبرير التمييز الذي يريدون تطبيقه على أراضيهم. فسابقاً استشهدت فرنسا بشيخ الأزهر وموقفه من النقاب، ومؤخراً تم الاستشهاد بقرار سوريا منع المنقبات من الدخول إلى الجامعات، ولا ننسى القوانين المقيتة سارية المفعول في كل من تونس وتركيا.
قد يختلف الكثير منا أو يتفقون مع قضية ارتداء النقاب لا سيما في الدول غير الإسلامية، وقد يرى فيه المسلمون الوسطيون مشقة على النفس وتكلف في غير محله، ولكن هذا لا يعني بأنهم يعتقدون بأنه يجب أن يُمنع، بل يترك الأمر للمرأة العاقلة تستفتي قلبها، وأنا مع هذا الرأي. لا سيما وأننا في بلاد أعطت الحقوق للشواذ من كل شكل ولون رغم معارضة ما يقومون به لكل الأديان السماوية والأرضية، ونرى في شوارعها كل يوم أغرب التقليعات وأطرفها وأقبحها، فهل الحرية تضيق فقط بنقاب مسلمة؟
أن تقف جماعات ضغط غربية أو حتى أفراد أوروبيين ضد النقاب إما جهلاً أو حقداً هو أمر مفهوم، وربما يكون من المفيد أن نتحاور معهم ونسمع منهم خاصة قلقهم الأمني في عصر فوبيا الإرهاب، لكن أن يتبرع مسلمون من بلداننا ليدعموا الطرف الآخر ضد إخوة الدين والعقيدة، فهذا ما لا أفهمه! وكأن هناك من يريد أن يصفي الحسابات المحلية في صراع التيارات الإسلامية – الليبرالية على حساب الأقليات المسلمة في الغرب. هذه الأقليات التي تركت أوطانها مرغمة غالباً بسبب الفقر أو الجهل أو القمع، فإذا بأوطانها تلاحقها ككابوس طويل وراء الحدود.
والأكثر إثارة للعجب والحزن هو أن صوت المرأة العربية أو المسلمة في الداخل يعلو أحياناً ليصفق في أحيان كثيرة لهذه القرارات، وتبدأ في تفنيد مشروعية النقاب، وفي اعتقادها بأن من ترتدي النقاب تريد أن تقول أنا مسلمة متشددة وبالتالي فهي تستحق - ضمناً - ما يجري لها. مع أن هذه المرأة التي غالباً ما تكون غير محجبة، حين تكون في بيئة تسمح لها بذلك، كثيراً ما اشتكت من الصورة النمطية التي يحملها الآخرون عنها فقط لأنها حاسرة الرأس، فتقول: أنا أصلي وأصوم وإيماني قوي فلماذا تظنوني منحلة فقط لأنني غير محجبة؟ أتحكمون علي بسبب قطعة قماش؟ حسناً ألا ترتكبين أنت الآن الأمر نفسه مع أختك المنقبة؟
هناك مشكلات عديدة تعيشها الأقليات الإسلامية في الخارج ولهذه الأقليات أخطاؤها القاتلة ونجاحاتها المبهرة، وأمامها استحقاقات وتحديات كبيرة عليها أن تواجهها بشجاعة خاصة من قبل أبناء الجيلين الثاني والثالث، والذين لا ينطبق عليهم وصف مهاجرين ولا يحق لأحد مطالبتهم بالعودة إلى بلدانهم الأصلية، فعليهم أن يصنعوا هوية للمسلم الأوروبي بعيداً عن التقاليد التي حملها آباؤهم من بلدانهم.
سنكون حضاريين وواقعين ولن نطالب بقطع العلاقات ولا بتدخل السفارات في الشؤون الداخلية للدول الأخرى بسبب هذه القوانين الجديدة، مع أن هذه الدول تدخلت بالحديد والنار في شؤوننا وتهدد كل يوم بفعل ذلك مجدداً، كل ما سنطالب به هو أن نترك مسلمي أوروبا يتدبرون أمورهم بأنفسهم، وأن ندع نساءها المسلمات يخضن المعركة دون أن نصب الزيت على النار، فإذا كنا نستطيع مساعدتهن فدعونا – على الأقل- لا نعين عليهن!