قلتها مرارا من قبل وسأعيدها اليوم: أنا فكرة جاهزة للانحراف ومشروع جهنمي للفساد المالي.

قلتها مرارا من قبل وسأعيدها اليوم: أنا فكرة جاهزة للانحراف ومشروع جهنمي للفساد المالي. كل القصة أنني اخترت لحياتي وظيفة خاطئة قوامها القاعة والطبشورة مثلما اخترت (الأسلوبية) واللغة تخصصا لا يسمن من شيك ولا يغني عن أرض. وفي فراغي المخيف، أبحرت مساء البارحة على (الآيباد) مع الأدبيات التي تحدثت عن الصحابي الجليل، ابن اللتبية. وصلت إلى تشخيص عن شخصه وشخصيته. حاولت (إسقاط) وظيفته على مصطلحات هذا العصر فوجدت بالمقاربة ما يلي: وجدت ابن اللتبية (بقياساتنا) موظفا متوسطا على الحادية عشرة. كان على وشك الترقية تجاوزا إلى المرتبة الثالثة عشرة لولا أنه وقع بين يدي حازم نزيه تمضي الأيام به وبأهل بيته على (الأسودين)، الماء والتمر. اللهم صل وسلم على سيد الخلق ورائد الحق وعلى آله وصحبه. وبكلمة واحدة من سيد الخلق (هلا قعدت في بيتك)، أحيل ابن اللتبية إلى التقاعد المبكر، وفيما أعلم، فقد كان هذا أول قانون إداري من نوعه في التاريخ الذي قرأت. نحن في هذا العصر نكتب آلاف القوانين ولكننا لم نكتب بينها قانونا باسم ابن اللتبية. وعلى العكس، نحن نكتب القانون العكس. لو كان أبو ذر الغفاري – رضي الله عنه – بيننا لبقي اليوم موظفا للصادر والوارد، وفي أحسن الأحوال سيترقى للمرتبة السابعة مديرا للضمان الاجتماعي في الخرخير. نحن لدينا في (اللامكتوب) قانون سري باسم أبي ذر. وفي المقابل، لو أن ابن اللتبية معنا اليوم لكان واحدا من اثنين: أخطبوطا في الخامسة عشرة، أو صاحب شركة عملاقة يجمع مناقصات المشاريع بعد أن عرف طرائق مستخلصاتها وألاعيبها مستثمرا نعمة الإحالة إلى التقاعد المبكر. مشكلة ابن اللتبية، رضي الله عنه وأرضاه، أنه عاش في زمن لم يكن يسمح بمثل هذه الأساليب في التمويه والخفية. على أيامه كانت (الهدايا) حبوبا وأغناما وتمورا وأرزاقا تحمل على ظهور الجمال ويأتي بها عامل الخراج ليدخل بها المدينة على رؤوس الأشهاد. لم يكن في زمنه حسابات بنكية يتم التعامل معها سرا عبر الهاتف المصرفي، ولم تكن في زمنه فكرة (كتابة العدل) حيث (الأرض) تطوى في أوراق صكوك تفرغ أولا باسم ابن خالة جد ابن عم الزوجة الثالثة حتى تصل للقابض الأخير في الإفراغ الثامن من الزيارات السرية للمحكمة. عند الثانية بعد منتصف الليل، فرغت من قراءة الأدبيات التي كتبت عن ابن اللتبية. وجدت بالمقاربة أنه لا يملك عشر شبكة علاقاتي العامة ولا ثمن مواهبي الجاهزة للانحراف ولا ربع مشروعي القادم إلى شبكة الفساد المالي، وجدت أنه لا يملك مثلي حسابا سريا في (باركليز) كي تبتعد الشبه، مشكلته أنه ولد في الزمن الخطأ لمشروعه الشخصي، ومشكلتي أنني عشت الوظيفة الخطأ في الزمن المناسب.