لست اشتراكياً ولست من دعاة تدوير رأس المال، وعلى العكس صادفت وصادقت في حياتي أيام الدراسة بالغرب عشرات من عرب اليسار وتلامذة الاشتراكية.

لست اشتراكياً ولست من دعاة تدوير رأس المال، وعلى العكس صادفت وصادقت في حياتي أيام الدراسة بالغرب عشرات من عرب اليسار وتلامذة الاشتراكية. وكلما أعطوني مقالاً أو كتاباً عن فضائل اليسار ازددت اقتناعاً أنها فكرة (رعوية) تقف ضد البناء والإنتاج وتدعو الشعوب لكي يكونوا فكرة هجيناً من الضمان الجمعي.
سؤالي: كيف تتبدل القناعات رغم أن مثلي لن يتبدل؟ الجواب يكمن في الصدمة. يكمن في الأنموذج الذي تشعر أمامه أن (فراطة) النقود في جيوبك رجس يجب أن يتخلص منه فما هو هذا الأنموذج؟
هو (سالم) حارس الأمن الأسمر الفارع على باب المول التجاري وقد استلفت منه قصة هذا المقال الذي أقبض منه في اليوم ما قد يوازي ربع راتبه في شهر.
بألف وخمسمئة ريال في الشهر يقف (سالم) على باب (المول) لثماني ساعات في اليوم وستة أيام في الأسبوع. هو بالصدفة على البوابة رقم (4) حيث هي المدخل إلى أشهر ماركات الدنيا التي انتقلت بفروعها من (فيفث أفنيو) في نيويورك و(الإليزيه) الباريسي. ذكي لماح، ويعلم تماماً أن قطعة في يد متسوقة تلفها بين أصابع الكف قد تفوق راتبه لشهرين. هو بالمناسبة لم يستلم راتبه لشهرين وموعود بهذا الحجم الضخم مع نهاية الثالث دفعة واحدة. وبالطبع، سيعيش، وما دام قياسنا هو (الجوع) فلا يوجد جائع حقيقي في هذا البلد ولكن المقياس لم يكن حجم المعدة.
الجوع الحقيقي هو حين تؤدي هذه الطبقية المخيفة إلى حدود القبول بالموت. بكل الدموع القاتلة كان (سالم) يبكي ابنته الراحلة (ثماني سنين) لأنه لم يستطع أن يأخذها إلى الرياض من أجل الجرعة الكيميائية الثالثة. كفل له النظام علاجاً للحالة في المستشفى التخصصي وكفل له ولها تذاكر السفر لكن أحداً لم يكن يعرف أنه كان ينام في حدائق المشفى في برد شتاء العام الماضي. عشرون يوماً في هذه الحديقة ثم يقول عنها: لقد تحولت إلى شحاذ، فضلت الوفاة على ألا أكرر التجربة. وهنا تستطيع أن تفتح في قصة (سالم) كل الأسئلة:
أسئلة الجمعيات الخيرية وجمعيات أصدقاء المرضى. أسئلة الأوراق النظامية التي تسمح لطفلة الفقير بالعلاج وتأتي بها إلى السرير لينام والدها على البلاطة. أسئلة المليارات التي تذهب لقروض صناديق الصناعة والتجارة والعقار والاستثمار بينما ما زال (سالم) فكرة يسارية تنام على بلاط المشفى، وتحرس ماركات المول التجاري، وكل هذا بثلاث ورقات زرقاء تأتيه بعد نهاية الشهر الثالث. إنها الطبقية.