99% من العاملين في القطاع الخاص في دول الخليج أجانب، على الرغم من وجود مواطنين عاطلين عن العمل. فكيف يمكن توظيفهم دون الإضرار بمصالح أصحاب الأعمال؟ وكيف نعالج التداعيات الاقتصادية لسياسات العمل الحالية؟
أكتب هذا المقال من أبوظبي، حيث يجري نقاش جاد حول تضاؤل مشاركة المواطنين في القطاع الخاص. ففي جلسة مطولة للمجلس الوطني الاتحادي كشف وزير العمل أن عدد المواطنين العاملين في القطاع الخاص لا يتجاوز 20 ألفاً، من أصل أربعة ملايين يعملون في هذا القطاع.
وبعبارة أخرى، يشكل غير المواطنين 99.5% من العمالة في القطاع الخاص، وهو ما يؤكد انطباعات الزائر للإمارات.
وقدّر وزير العمل الإماراتي أن بين 200 إلى 300 ألف من الوظائف في القطاع الخاص يمكن شغلها بمواطنين، وهو كاف لاستيعاب العاطلين عن العمل، ولكن الوزير أشار إلى أن الباحثين عن عمل ما زالوا يفضلون العمل الحكومي.
وقد أدى هذا الاعتماد شبه الكلي على غير المواطنين في القطاع الخاص إلى تركيبة سكانية غير مألوفة عالمياً، فمن أصل إجمالي سكان الإمارات البالغ نحو ثمانية ملايين، يُقدر عدد المواطنين بنحو مليون واحد. أما البقية، نحو سبعة ملايين نسمة، فهم من الأجانب.
وهذه التركيبة الديموجرافية، وتركيبة سوق العمل، تتكرر في جميع دول مجلس التعاون، بدرجات متفاوتة. ففي المملكة العربية السعودية، أكثر دول المجلس كثافة سكانية، لا يعمل في القطاع الخاص سوى نحو 800 ألف، أو 10% فقط من إجمالي العاملين فيه.
يتبين إذن أن دول الخليج تبنت، دون قصد، نموذجاً فريداً من نوعه للتنمية يقوم على العمالة الأجنبية بصفة شبه كلية. وفي حين أن هذا النموذج قد مكّن هذه الدول من تحقيق معدلات سريعة للنمو الاقتصادي، فإنه الآن محل نقاش حاد بسبب ما أفرزه من آثار اقتصادية واجتماعية وثقافية وأمنية.
فحينما اكتشف النفط منذ سبعين عاماً، بدأت دول الخليج في تدريب وتأهيل مواطنيها ووضعت حصصاً إلزامية لتوظيفهم. ونجحت هذه السياسات إلى حد كبير في مجالات النفط والصناعات المصاحبة والإدارة الحكومية، أي في القطاعات الحكومية والشركات التي تملك الحكومات فيها حصة الأسد.
ولكن ثروة النفط، من حسن الحظ، تضاعفت، ثم تجاوزت الطاقة الاستيعابية للاقتصاد وإمكانات القطاعات الحكومية على إدارتها، وفاقت احتياجات الأيدي العاملة المدربة قدرة الجامعات ومؤسسات التدريب على توفير أعداد كافية من الأيدي العاملة الوطنية. ومن هنا طُلب إلى القطاع الخاص أن يكمل المهمة. ولكن القطاع الخاص، القائم على اختزال التكلفة وتعظيم المكاسب، فضل اللجوء إلى العمال الأجانب. فبدلاً من الانتظار إلى أن يتم تدريب وتأهيل المواطنين، استقدم العمالة الأجنبية جاهزة ومدربة وبتكلفة زهيدة، من الدول المجاورة المكتظة بالسكان والعمالة الرخيصة التي تبحث عن عمل.
وفي العقود الأولى من التنمية في دول المجلس، كان ثمة ما يكفي من الوظائف لتوظيف المواطنين في القطاعات الحكومية وشبه الحكومية. ولم يكن ثمة حاجة إلى تطبيق قوانين صارمة لتوظيف المواطنين في القطاع الخاص. ونتيجة لذلك، ازداد الاعتماد تدريجيا على العمالة الأجنبية إلى أن وصلت كما أشرتُ لاحقاً إلى 99.5% في بعض الدول.
ويندر أن تجد مثيلاً لهذا النموذج في تاريخ الاقتصاد العالمي، ولا أظن أن له مثيلاً في التاريخ الحديث. فليس ثمة اقتصاد آخر تنخفض نسبة المواطنين في سوق العمل فيه إلى هذه النسب.
ويمكن أن نرى الآثار جلية في واقع سوق العمل السعودي، حيث وصلت معدلات البطالة إلى مستوى الأزمة، على الرغم من المحاولات المتعددة لتخفيضها، وعلى الرغم من توافر ملايين الفرص الوظيفية.
في الأسبوع الماضي كشفت وزارة العمل أن عدد المواطنين العاطلين عن العمل قد بلغ مليونين، أي أكثر من أربعة أضعاف آخر إحصاء للبطالة صدر في عام 2009 قُدر فيه عدد العاطلين عن العمل بنحو 450 ألفاً، أو نحو 10.% من إجمالي قوة العمل السعودية آنذاك.
فإن كان صحيحاً أن لدينا مليوني عاطل عن العمل، فإنه دليل واضح على أن أزمة البطالة قد تفاقمت بشكل متسارع خلال السنوات الثلاث الماضية.
وتقدر وزارة العمل السعودية أن 14% فقط من الوظائف التي يشغلها غير المواطنين في القطاع الخاص يمكن توطينها، وهو ما يعادل نحو مليون ومئة ألف وظيفة، وقد تبنت الوزارة إجراءات صارمة لتحقيق ذلك، أمام استياء واحتجاج ممثلي القطاع الخاص. ومع أن الوزارة تقول إنها تطبق القانون، إلا أن القطاع الخاص يحتج بأن التغيير المفاجئ في أسلوب تطبيقه يضر بمراكزهم المالية التي بنيت على افتراضات تقوم على إمكانية استقدام ما يحتاجون إليه من العمال الأجانب بأقل تكلفة.
ولكن لنتذكر أن الوزارة تقدر أنها لا يمكن توطين أكثر من 1.1 مليون وظيفة إضافية في القطاع الخاص. ولو افترضنا جدلاً أنها تمكنت من تحقيق ذلك أمام اعتراض أصحاب الأعمال، فإنه يعني أن (900.000) من إجمالي المليوني عاطل عن عمل سيظلون دون وظائف بصفة دائمة.
فإذا أضفنا إلى هذا العدد نسبة من الداخلين الجدد على سوق العمل، ويقدر عددهم بنحو 200.000 سنوياً، فإننا أمام طوفان من الباحثين عن عمل ممن لن يكون لهم مكان في القطاع الخاص، ناهيك عن القطاع العام.
وهذا يعني وضعاً دائماً من معدلات البطالة المرتفعة والتي لا يمكن لأي اقتصاد تحمل استمرارها.
هذه هي المعضلة التي تواجهها سوق العمل الخليجية: كيف يمكن المحافظة على معدلات سريعة للنمو الاقتصادي، مع توفير فرص عمل كافية للمواطنين، دون الإضرار بمصالح أصحاب الأعمال؟ وكيف يمكن معالجة التداعيات الاقتصادية والأمنية والثقافية والاجتماعية للسياسات الحالية وأي سياسات نختارها لتحقيق هذا التوازن؟
وليست هناك أجوبة سهلة لهذه الأسئلة، ولكن ما يبشر بالخير هو أننا بدأنا – ربما لأول مرة - في مناقشتها بصفة جدية.