هل العبقرية تُصنع؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن صناعتها؟ بمعنى آخر، كيف يمكن أن يكون الفرد عبقريا ويحقق إنجازا متميزا في حياته؟

تحدثت في مقالتي السابقة عن الإنجاز وكيف تتهيأ أسبابه، وخلصت في المقال إلى أن الإنجاز يرتبط بالفرد حتى مع وجود نظام فيه خلل.. واتضح لي أن الفرد الذي يمكنه أن ينجز يجب ألا يعتمد على نفسه في بناء قدراته مهما كانت.. وقد رأيت في هذا السياق إعادة الحديث عن كتاب مهم جداً يتم تدريسه في كثير من الجامعات لأهميته ولأهمية مؤلفه ولأهمية الأفكار التي يحملها وتضع النقاط على الحروف لتحقيق الإنجازات.. ويحمل الكتاب عنوان المنجزون: قصة النجاح:
Outliers: The Story Of Success لمالكوم جلادويل، وهو موجه لرجال الأعمال والسياسة والإداريين والتربويين وكل صاحب عمل على وجه الأرض.. وجاء هذا الكتاب بعد كتابيه الناجحين: اللحظة الحرجة Tipping Point عام 2000.. الذي حلل فيه الحدث الكبير لبعض الأحداث الاجتماعية التي يظن الكثيرون عدم أهميتها وعدم وجود أي أثر لها في المجتمع، وبعد كتابه رمشة العين Blink الذي شرح فيه مدى صحة وصدق وفائدة ردة الفعل الغريزية.. وكتاب المنجزون كما كتابيه الأولين في وصوله إلى قائمة أفضل الكتب المباعة. وقبل الحديث عن كتاب المنجزون يقول جلادويل إنه عادة ما يستقي أفكاره من أحاديثه مع الأفراد الذين يتحدث معهم. وضرب مثالاً بنارثان هاير مولر من شركة مايكروسوفت الذي يقول عنه: إنك لا تستطيع الحديث معه لمدة ثلاثين دقيقة دون الحصول على ثلاث فوائد، واضرب ذلك في مئة لتخرج بأفكار كتاب كامل. وعن هذا الكتاب، فإن كلمة OUTLIERS تعبير استعاري METAPHORICAL EXPRSSION يعني به جلادويل: الناس غير العاديين Extraordinary People . وفي مكان آخر قصد به المنجزون بدرجات عالية أو الذين يحققون إنجازات غير عادية.
يطرح هذا الكتاب رؤى مختلفة لتحقيق الإنجاز وأسبابا مختلفة للتفوق وشروطا مختلفة للتميز..
كنا في السابق نربط الإنجاز والتفوق بـIQ نسبة لذكاء الأفراد، ثم خرج لنا تعبير آخر طبقته معظم الشركات الكبرى مثلGE و Southwestern Airline ، وهذا التعبير هو:Emotional Intelligence أو EQ ، وهو توظيف المشاعر في العمل، إلا إن جلادويل دحض بالأدلة والبراهين أن تلعب نسبة الذكاء أو توظيف المشاعر أدوارا ذات قيمة في تفوق الإنجاز وتميزه، حيث يقول: لن يكون احتمال حصول الفرد صاحب IQ يصل إلى 175 على جائزة نوبل أكثر من احتمال حصول فرد صاحب مستوى IQ يصل إلى 140 عليها.
وهنا يطرح سؤال مهم هو: هل العبقرية تُصنع؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن صناعتها؟ بمعنى آخر، كيف يمكن أن يكون الفرد عبقريا ويحقق إنجازا متميزا في حياته؟
مالكولم جلادويل يقول لنا في كتابه هذا كيف.
إذا كان الإنسان موهوبا فإن الموهبة وحدها لا تحقق للفرد صنع الإنجازات ولا تحقق النجاحات..
هذه الموهبة يجب أن تغذى بشكل كبير بظروف ملائمة، أسماها جرعة كبيرة من الحظ الجيد Good Fortune of A dose . وجلادويل لا يؤمن بالبناء الذاتي للفرد.. فالإنسان لا يستطيع وحده مهما كان موهوبا أن ينجح ويحقق إنجازا ذا بال. إنه لا يؤمن بمساعدة الذات وأنه محبط لكل الذين يظنون أنهم يستطيعون بموهبتهم صنع المعجزات.. وكتاب جلادويل يطرح ثلاث نقاط لتحيق الإنجاز المتميز وكيفية صنع منجزين متميزين outliers ، وهي:
أولا: عدم الاعتماد على الموهبة، والموهبة فقط، لتحقيق التميز، كما يظن الكثيرون. والأفضل موهبة ليس بالضرورة الأفضل في إنجازاً.
ثانيا: كل الذين ينجزون أعمالا متميزة يحتاجون إلى قدر كبير من الحظ وإتاحة الفرصة.
ثالثا: إن قدرا كبيرا من الحظ يأتي كإرث مجتمعي. بمعنى آخر نتاج للمجتمع الذي أخرج هذا الفرد إلى العالم. وهنا بيت القصيد، حيث لابد للمجتمع، كما يقول جلادويل، من تكوين ثقافة تفسح المجال لأفراده بالتميز. ويؤكد على أن التميز هو ثقافة مجتمع وليس موهبة أو تصميما بالدرجة الأولى.
وهنا يجب أن تكون هناك وقفة تأمل حول مفهوم الحظ وما أثاره جلادويل حوله.
لقد أعطى جلادويل أمثله كثيرة من مشاهير العالم أصحاب الإنجازات الكبيرة. على سبيل المثال بل جيتس outlier. حيث يقول إنه تحققت له فرص متلاحقة، أهمها أنه كان يعيش بالقرب من جامعة واشنطن التي كانت تسمح باستخدام مبانٍ للحاسب الآلي بين الساعة الثالثة والسادسة صباحا بالمجان. المجتمع هنا وفر الفرصة وأتاحها في وقت محدد بالمجان. وتحقق له الانكشاف على تطوير البرامج الحاسوبية في سن مبكرة. وإن نجاحه في ذلك تم بواسطة العديد من الحوادث التي حدثت له بمحض الصدفة والحظ. ويقول جلادويل إن بناء الذات بالنسبة للفرد لم يعد حقيقة وإنه أسطورة myth . إن هذا الكتاب يقلل من أهمية العزيمة والتصميم الفردي ويعزو الأمر إلى ثقافة المجتمع، أو كما أسماهاCultural Legacy .
جلادويل يحترم ثقافة المجتمع التي تشجع الاجتهاد والعمل الدؤوب.. ويعرض المثل الصيني الذي يقول: الفرد الذي يستيقظ قبل الفجر على مدى 360 يوما في السنة لن يخفق في صنع الثراء لعائلته، والبعض يرى تناقضا في طرح جلادويل، إلا أنه يعني أن العمل الدؤوب جيد، لكنه لا يصنع وحده إنجازا متميزا.. ويقول جلادويل إن هناك أمثلة كثيرة في مجتمعات كثيرة لأفراد حصلوا على فرص وهم لا يستحقونها، وهناك أفراد فقدوا فرصا كثيرة وهم مستحقون لها،
وذلك لأننا، كما يقول، نعيش في عالم غير عادل في توزيع الفرص.
وينتهي الكتاب إلى عرض المنطق الذي يؤمن به، والذي يقول إن على الناجحين أن يكونوا أكثر كرما للأفراد الأقل نجاحا للفاشلين، كما يقول: إنه من المؤلم أن الفرد يعزو نجاحه لتصميمه وجهده ويعزو الفشل للظروف، وذلك للهروب من النقد والمسؤولية.. وهذا طرح معاكس لما يجب أن يكون عليه الأمر في عالم مثالي.
.. يجب أن تكون هناك وقفة طويلة لاستعراض الثقافات السلبية الموجودة ومحاولة دراستها ومعرفة مدى تأثيراتها السلبية، وذلك بهدف تحقيق الإنجاز بالمستوى المطلوب. وخلاصة القول أننا عندما نريد بناء منجزين حقيقيين لا نكتفي بالموهبة، بل لا بد من توفير ظروف ملائمة لبروز هذه الموهبة لتحقيق للإنجاز، كما أن من نلتقي بهم أمرهم مهم في بناء الإنجاز.