في كل ثلاثاء تذهب 'ميري' إلى الكنيسة، وقبل ذلك توصلني إلى درس القرآن، وحين أصاب بالكسل فإنها تدعمني للذهاب، فاليوم هو الثلاثاء، وكلتانا يجب ألا تنسى أن تتجرع نفحات إيمانية وروحانية

لم يكن لقائي بها عابراً أو للحظات.. لكنها صديقتي المقربة جداً هنا في لاهاي.. إنها قصة الصداقة العذبة والأخوة والود المتبادلين دونما أي مصالح.
ميري مصرية مغتربة كما هو حال الآلاف من المصريين الباحثين عن الحياة في فضاءات أرحب.. اغتربت ميري لما يزيد عن سبعة عشر عاماً. كانت مع أسرتها ما بين أوروبا وأميركا حتى استقر بها الحال في هولندا، حين التقيت بها في المدارس الأميركية في لاهاي.
وخلال اجتماعات أولادنا الافتتاحية حين دخول المدرسة العام المنصرم كان لقائي بها، وحديثنا القصير مع بعضنا البعض، وحوارنا عن الحياة الجديدة هنا لكلتينا.
لا أتشابه مع ميري في الأصل أو الجنسية أو التجربة أو حتى الاهتمامات، لكن ما جمعني بها حبنا للخير والجمال.. وللسلام.
قد نغيب في إجازة نهاية الأسبوع عن بعضنا البعض، لكن دائماً ما كانت بداية الأسبوع يوم الاثنين هي موعد الاتصال، ومناقشة الأوقات لشرب كوب قهوة أو فنجان شاي، وحين نعجز عن إيجاد الوقت المناسب فهي ستحضر باكراً جداً بعد إيصال أبنائها للمدرسة، ثم نحتسي معا مشروباً ساخناً، ومع أحاديثنا الشيقة ستزداد أيامنا دفئاً وحرارة.. تلك التي تفتقدها لاهاي.
كانت في كل مناسبة دينية أو وطنية خاصة بي تتصل وتكون أول المهنئين أو المعزين، وآخرها عيد الأضحى المبارك حين رن هاتف منزلي، ودونما تفكير خمنت وقد صدق تخميني أن ميري هي التي تتصل على الطرف الآخر من الخط.
جاءت كلماتها ودعواتها لي صادقة.. وقريبة من القلب.. إنها نبضات تشعر من خلالها من يحبك ومن هو ذلك الذي يجاملك، لكنها كانت مفعمة دائماً بالحيوية والنشاط، ذلك الذي تنشره من حولها.
كانت تندهش من بعض النماذج السعودية التي تعرفت عليها، سواء بلقاء مباشر هنا أو من خلال ما تواصلت به معها من خلال الرسائل الإلكترونية عن المجتمع السعودي والمرأة هناك، حيث أبعث لها بروابط عن مقالات أو لقاءات.. كانت بلادي بالنسبة لها مبهمة وغير واضحة، وإن كان الإعلام قد أمدها ببعض المعلومات، لكن ما زالت الصورة غامضة، على حد تعبيرها، حتى اختلطت وتعرفت عن قرب بالجالية السعودية هنا، فكانت ترى في المرأة السعودية الإصرار والقوة والإنجاز.. وقد تلقيت منها التهاني بمناسبة حصول الدكتورة حياة سندي على سفيرة النوايا الحسنة. ولم يكن غريباً أو مستغرباً حين يأتي موسم الثلوج وأجدها أمام منزلي بسيارتها لإيصالي لأداء مستلزمات أسرية.. وفي أوقات سفر زوجي. لا أنسى ذلك اليوم الذي عرفت فيه أن ابناً من أبنائي مريض ولم تتأخر في إحضار الدواء اللازم ووضعه أمام الباب، وعند مغادرتها تتصل لتخبرني أن أذهب وألتقطه.
ميري كانت حاضرة معي دائماً في المواقف الصعبة والمؤلمة.. ولم يكن غيابها في أحداث أو ظروف تستدعي وجودها، لكن دائماً عندما تكون هناك فكرة أو رأي يخونني تشاركني وتدهشني بقدرتها على الإصغاء والتحليل، ومن بعد ذلك بالمشورة الصائبة التي ما ندمت يوماً أن استمعت لها.
التقيت بها كثيراً وتحدثنا كثيراً، لكنها دائماً ما كانت تحترم التقاليد الإسلامية، وحين ندعوها لمناسبة ما فإن أول ما تسأل عنه ماذا يجب أن يكون منها من أجل احترام شعائرنا وعاداتنا وتقاليدنا. في كل ثلاثاء كانت تذهب إلى الكنيسة، وقبل ذلك توصلني معها إلى درس القرآن الذي تقيمه إحدى السيدات الفاضلات، وحتى حين أصاب بالكسل أو الانشغال فإنها تسهل طريقي وتدعمني للذهاب، فاليوم هو الثلاثاء، وكلتانا يجب ألا تنسى أن تتجرع نفحات إيمانية وروحانية.
لم تنس ميري كمال وهي قادمة من مصر أن تحضر لي معها جرة الفول.. وكعك العيد.. والفسيخ المصري.. بالإضافة إلى أشياء وأشياء نشتم فيها رائحة مصر العظيمة.
تبادلت معها الكثير من العادات المحلية، فحضرت إلى بيتي وقمت بتعليمها دروسا في الأكل السعودي المحلي، كالكبسة والبخاري، ولن أنسى أنها قد تطبخ الملوخية أو الباميا أو الكشري وستخبرني في الصباح الباكر أن اليوم هو يوم دراستي في معهد اللغة، ولا بد أن أعود وأنا متعبة، لذا فهي من ستقوم بإعداد وجبة الغداء لعائلتي، أما هي فستحرص على أخذي معها إلى البقالة العربية مبروك في منطقة lieden لتحضر اللحوم والدجاج، المذبوحة على الطريقة الإسلامية، حتى تقوم بإعداد الطعام، فهي قد دعتنا مع عوائلنا إلى وجبة غداء شهية في إجازة نهاية الأسبوع.
ضحكت مع ميري كثيراً من خلال مواقف مختلفة، وبكينا أكثر في مواقف أسرت مشاعرنا.. وسخرنا أكثر وأكثر من أحداث كانت تستدعي السخرية في هذا العالم الغريب العجيب.
لم يجمعنا الدين أو تفرقنا السياسة أو نهتم للاقتصاد أو تغرينا الرياضة، لكن كانت دعواتنا الصادقة دائماً أن يحفظ الله البلاد والعباد من ويلات الحروب والجوع وعدم الأمان.. علاقتي معها يسودها الاحترام والحب والثقة، لقد تركنا فيها الاختلافات وتعايشنا مع بعضنا البعض من منطلق راق وجميل.
ميري وزوجها وأسرتهما الصغيرة بحجمها الكبير في مكانتها لدينا؛ تغادرنا إلى نيوجرسي في أميركا هذا العام بعد أن عرفتها ما يزيد عن السنة، لم يكن منها إلا كل فعل ينم عن خلق عال.
أعرف أن سماء لاهاي.. كما هي ملبدة دائماً بالغيوم، لا بد أن يظللها شيء من الظلام والكآبة حين تغادر ميري، لكن عزائي أنني التقيت بها وعرفتها وكسبتها أختا وصديقة جمعتني بها الإنسانية.