على الحكومات، والمجتمعات الإسلامية، مسؤولية كبرى لحماية الأقليات المقيمة بين ظهرانيها، بصرف النظر عن أي خلافات سياسية أو دينية. وكجزء من هذه المسؤولية يجب رفض الخطاب الطائفي
في يوم الأحد من الأسبوع الماضي (30 ديسمبر)، قُتل (20) باكستانياً وجُرح (24) آخرون حينما انفجرت سيارة مفخخة قُرب أحد الباصات التي كانوا يستقلونها في بلوشستان (جنوب غربي باكستان)، وكان الضحايا جميعهم من الشيعة الباكستانيين الذين كانوا يستعدون للمشاركة في أربعينية السيد الحسين بن علي رضى الله عنهما.
ومع أنه من المبكر تحديد من ارتكب هذه الجريمة البشعة، إلا أنها تتطابق مع نمط من الهجمات الطائفية التي ينفذها متطرفون مسلحون في باكستان وأفغانستان ضد إخوانهم في الوطن، فهم كثيراً ما ينفذون هذه الهجمات في المناسبات الدينية ودور العبادة.
وقبل شهر من ذلك الهجوم قُتل (23) من الشيعة الباكستانيين في هجوم آخر في (روالبندي).
وقد أصبح الشيعة وغيرهم من الأقليات ضحايا في الحملة التي تشنها الحكومة الباكستانية على الجماعات المتطرفة، فكلما احتدّت هذه الحملة انتقمت الجماعات المتطرفة من الأقليات وغيرهم من المواطنين الأبرياء. وثمة نمط مشابه في أفغانستان أيضاَ. وفي الوقت نفسه، فقد تعرض المواطنون السنة في البلدين ودور عبادتهم إلى حملات طائفية انتقامية.
في سبتمبر الماضي أصدرت منظمة هيومان رايتس واتش تقريراً مفصلاً قالت فيه إن الهجمات ضد الشيعة في باكستان على وجه الخصوص في ازدياد، إذ يقول التقرير إنه في حين أن العنف الطائفي بشكل عام مشكلة قديمة في باكستان، إلا أن الهجمات على الشيعة قد ازدادت بشكل درامي في السنوات الأخيرة. ووثقت مقتل (320) من الباكستانيين الشيعة خلال عام 2012، منها في شهري أغسطس وسبتمبر 2012 على سبيل المثال:
- في 16 أغسطس 2012، أوقف مسلحون أربعة باصات في منطقة (مانشرا) في الحدود الشمالية الغربية، وبعد تدقيق هوياتهم أعدموا (22) من ركاب الباصات من الطائفة الشيعية، وأعلن ناطق باسم جماعة (طالبان باكستان) لاحقاً مسؤوليتها عن الهجوم.
- في 30 أغسطس، قتل مسلحون على دراجات نارية قاضياً شيعياً في (كويتا)، وسائقه وحارسه الشخصي.
- في حوادث منفصلة في 1 سبتمبر 2012، هاجم متطرفون يستقلون دراجات نارية جمعاً من الشيعة ينتظرون الباص في (كويتا) وقتلوا خمسة منهم، وخلال ساعات هاجموا ثلاثة آخرين توفوا لاحقاً.
وحسب تقرير المنظمة فإن ثمة اعتداءات أخرى عديدة ضد الشيعة وقعت خلال عام 2012 في منطقة (بلوشستان) في الجنوب الغربي، و(جلجيت بالتيستان) في الشمال، وفي مدينة كراتشي. وفي تقرير آخر صدر في ديسمبر 2011، لاحظت (هيومان رايتس واتش) أن تلك الهجمات كثيراً ما تتزامن مع المناسبات الدينية، خاصة عاشوراء. ففي حادثة دموية وقعت في ديسمبر 2009 (خلال موسم عاشوراء) قُتل ثلاثون وجرح العشرات في موكب شيعي في كراتشي، وفي فبراير 2010 هوجم موكب شيعي آخر قُتل فيه (25) وجُرح العشرات أيضاَ.
ومع أن المسؤولية الأولى تقع على منفذي تلك الهجمات والجماعات المتطرفة التي تدعمها، إلا أن بعض المتلبسين بلباس الدين، من غير المؤهلين للفتوى، يُعطون بعض هذه الهجمات، التي تتناقض مع مبادئ الإسلام التي تحرّم سفك الدم المعصوم، تبريرات دينية خاطئة.
ويحاول آخرون تبرير تلك الهجمات على أسس سياسية، أو بأنها رد على هجمات طائفية من الجانب الآخر. ويستشهدون مثلا بالأفعال التي ترتكبها الحكومة الإيرانية ضد أهل السنة في إيران وخارجها. وكل هذه التبريرات لا أساس لها، فليس من العدل أن يُؤخذ المواطنون الأبرياء بخطايا إيران أو أي حكومة أخرى تضطهد أهل السنة.
ومن المؤكد أن على كل حكومة مسؤولية واضحة لحماية جميع مواطنيها، خاصة الأقليات المهددة بين ظهرانيها، بصرف النظر عن أي خلافات سياسية أو دينية، وعلى الأغلبية المجتمعية أن ترفض الخطاب الطائفي بجميع أشكاله، خاصة أي محاولات لتبرير القتل الجماعي باسم الدين أو السياسة.
ويتحمل علماء الدين في باكستان وغيرها مسؤولية خاصة في إزالة أي أوهام بأن الهجوم على الأقليات يمكن تبريره في أي ظرف من الظروف، كما يجب أن يتذكر قادة السياسة واجباتهم في توعية أتباعهم بأهمية حماية الأقليات، بصرف النظر عما يحدث في دول أو مناطق أخرى.
وحين تجعل المجتمعات خطاب الكراهية خارج نطاق المقبول، دينياً وسياسياً واجتماعياً، فإنها قد تستطيع أن تحرم المجموعات المتطرفة المسلحة أي تعاطف أو دعم مجتمعي لارتكاب تلك الهجمات.
ومما يحمد للمسؤولين في المملكة العربية السعودية أنهم أخذوا على عاتقهم مجابهة الخطاب الطائفي، حين قال أحد كبار المسؤولين في وزارة الشؤون الإسلامية هذا الأسبوع إن لدى الأئمة والخطباء تعليمات واضحة بتجنب ما يثير الفتن الطائفية، وأن الوزارة تتخذ إجراءات صارمة بحق من يخالف تلك التعليمات.