لم أتمالك نفسي فتجاوبت عيوني مع الشاب السوري، الذي تسللت من عينه دمعة حزينة، عندما سمعني أمتدح شجاعة السوريين وصبرهم على تحمل حرب التدمير والإبادة التي يشنها بشار الأسد. لم يدمع لخوف أو جزع، فهيئته كانت رجولة متكاملة من الإباء، فجاءت دمعته حزنا على فراق أعزة أخذتهم آلة الأسد التي أهالت المباني عليهم ركاما. لذلك أدركت أن أصحاب هذه القامات لن ينسوا حقوق شعب أريقت دماؤه بطرا، ولن يقدموا للقاتل جائزة على إراقته لدماء الأبرياء.
لم يتعرض شعب من شعوب الربيع العربي لما تعرض له السوريون. وغدا عندما يكتب التاريخ ثورتهم، لن يخطر في بال الأجيال القادمة أن هناك حاكما دمر بلاده على رؤوس شعبه، وأرسل طائراته الحربية لتلقي عليهم القنابل والحمم طوال الـ24 ساعة على مدار عامين، حيث كان من المفترض أن يوجهها للجبهة الخارجية، حيث إسرائيل التي تحتل أرضه في مرتفعات الجولان طوال 30 عاما، وليس ضد شعبه المسالم. وبذلك يتفوق نظام الأسد دموية على جميع الأنظمة التي واجهت ربيع شعوبها في اليمن وتونس ومصر.
الآن يعاني السوريون من صراع المصلحة بين الدول الكبرى على أرضهم، ذلك الصراع الذي شكل حماية للنظام ويوحي باستمراره، فجميع وعود زعماء أميركا وفرنسا وبريطانيا لم تٌترجم إلى واقع، بل تحولت إلى ظاهرة صوتية، تدين نظام القمع وتدين تصرفاته، لكنها لا تفعل شيئا حتى أصبحت القاذفات تدك المدن محصنة من أي اعتراض دولي.
من استمع إلى خطاب الأسد يوم السبت الماضي، وهو يصف الشعب السوري بالجراثيم، يتذكر خطاب القذافي لشعبه (الجرذان.. ومن أنتم!)، ففيها دلالة على بعد النظام عن الشعب. ذلك أنه بعد هذه الدماء لن يرضى السوريون أن تمنح الدول الكبرى أرواحهم جائزة لمن قتلهم.