أتساءل ماذا كان سيحل بفصحاء العرب لو أنهم اليوم بيننا؟ وهل كان صاحب 'لسان العرب' أبو الفضل جمال الدين ابن منظور سيؤلفه على ما هو عليه اليوم لو كان حاضراً بيننا؟
لا أريد أن يفهم البعض أنني أقصد باللغة الوسيطة لغة الميديا العالمية Intermediate language أي لغة الحاسوب الوسيطة. وهي لغة الحاسوب المستخدمة كخطوة وسيطة بين لغة المصدر الأصلي، التي عادة ما تكون لغة رفيعة المستوى. فهذه اللغة عالمية بما يكفي لتدافع عن نفسها بشرعية ثابتة وقوية. ولكني أتحدث عن تلك اللغة البديلة الباهتة –إن جاز لي تسميتها لغة- التي تحاول القضاء على اللغات الأممية العالمية الأصلية للشعوب.
والمتتبع للسيرة التاريخية لأي لغة في العالم، سيكتشف أن كل لغة لا تحافظ على قيمتها وقيمها وفق معاييرها الأيديولوجية التي شكلت تفاصيلها، ودعمها المستمر لتحاكي التقدم والتطور الفكري والصناعي، ستندثر تحت وطأة تضافر عدة عوامل تفرضها أيديولوجيا المحاكاة العالمية واتصالها ببعضها، إذ تتكتل تلك العوامل تلقائياً بفعل العشوائية السياسية، والاجتماعية، والفكرية. وما لم تسارع تلك اللغة إلى حماية نفسها من التآكل، فإن مصيرها حتماً لن يكون مرضياً، وسيشكل في نهايته انتكاسة لا تعترف بالتاريخ أو بالأصالة. نحن العرب نتكئ كثيراً على ما جاء في القرآن الكريم من وعد بحفظ القرآن. ونذهب في ترجمة المراد من ذلك، على أنه تكفل بحفظ اللغة العربية أيضاً! ونحن نركن كثيراً إلى ذلك القصد المُدغدغ. والواقع أنه قد لا يكون ما نذهب إليه من حدود التفاؤل والآمال صحيحاً. فاللغة العربية بحاجة ماسة أيضاً للحماية من قبل الأفراد والجماعات الناطقين بها، من خطر التلاشي والانحطاط والاندثار في نهاية المطاف. وقد برزت أخطر مراحل تفكيك اللغة العربية في القرن الماضي، وتحديداً أواخر الستينات وبداية السبعينات الميلادية ومازالت مستمرة إلى وقتنا الحالي، وهي البداية الحقيقية لظهور (اللغة الوسيطة المهاجرة) إلى أرض الجزيرة العربية تحديداً، متزامنةً مع التأثير الحقيقي للطفرة النفطية، والحاجة إلى جيوش من الأيدي العاملة، لمواكبة تسارع التنمية الاقتصادية في الجزيرة العربية. إذ بدأت العمالة الوافدة من الشرق الآسيوي بالتدفق على كل بقاع المنطقة العربية دون هوادة. وأحضرت معها بالطبع لغتها الأعجمية. واحتاجت على ضوء ذلك إلى ابتكار لغتها الخاصة للتواصل مع الآخر، وهو ما ظهر تأثيره جلياً فيما بعد على لسان العرب أبناء الأرض، حتى بتنا اليوم نرى ذلك أمراً مألوفاً وطبيعياً إلى حدٍ بعيد! وهو ما يُشكل كارثة أيديولوجية توحي بنذر التغيير إلى الأسوأ؛ إذ أصبح من المألوف أن تشارك في حوار بينك وبين (الحلاق) مثلاً: صديق كيف حال إنته؟ الخمد لله يا أمي، أنا والله فيه تأب كتير من كل يوم شغل، أو على شاكلة صديق إنته ليش ما فيه يجي أمس.. أنا ما فيه صديق أنا فيه رفيك.. أنا ما فيه معلوم.. أنا نفر مسكين.. جيب فلوس جلدي جلدي.. هذا فلوس مال أنا.. أول أنتا كلم تعال شيل بلوس... أوتلك العبارات الكوارثية التي تُكتب على اللوحات الإعلانية للمحال التجارية مثل: سندويتش شاشوغا، أوسندويتش بيت مغلي، أو شاهرن بعدن ما في مصول عنا! إن الخطاب (الوسيط) المتهالك الذي نسمح به كعرب على لغتنا العربية، هو تقصير منا نحو لغتنا، وتهاونٌ قد لا ندرك عواقبه على المدى الطويل.
تقول إحدى الصديقات على موقع تويتر: العربليزي جايكم في الطريق، بكره ألاقيك كاتب اسمك في الجريدة 6ale7 2ldeoane. وهي في رأيي محقة إلى أبعد مدى في تنبؤها. إذ طالما تسارعت الأمور في هذا الاتجاه، فإن الأمور ستكون سلبية وحتمية قطعاً. والمقصود بـ(العربليزي) أي اللغة العربية المطعمة بكلمات من اللغة الإنجليزية. ونحن اليوم نستمع إلى (90%) من الإخوة المصريين، حين تطلب منه رقم جواله مثلاً، فيبدأ بقوله: زيرو خمسة....إلخ.
وهذا في الواقع نتيجة اتصال الحضارات ببعضها بعضا، لتفرض الحضارة الأقوى تالياً أسلوبها وثقافتها على ثقافة المجتمعات الأخرى. لكن الغريب أن تفرض الحضارات الأدنى أسلوبها على الحضارات الأعلى والأقدم منها، كما يحدث مع الحضارة العربية وثقافتها حالياً! ويظل الخوف من تمادينا في الاستمرار بتجاهل هذه السلبيات القاتلة التي نظنها صغيرة! وفي ضعف قدرتنا على تأسيس خطوطنا الدفاعية المتينةـ وإذا ما أردنا بلورة مواقف صارمة فيما يُعنى بهذا الأمر، فعلينا البدء بالعمل المنظم لتفادي تحول لغتنا إلى أثر في متحف التاريخ. يقول أحد أقاربي الأطباء المقيم في ألمانيا: إن أكثر أمر عانيت منه في ألمانيا في بادئ الأمر، هو أنهم لا يفضلونك طالما أنت لاتتحدث اللغة الألمانية. وهذا ما هو إلا من روح الافتخار باللغة الوطنية الخاصة، وبذل الممكن من أجل حمايتها.
أما نحن أمة العرب فليس من الواضح أننا مشغولون بمثل هذا الهم، وهو من المفارقات على أرض الواقع. أتساءل ماذا كان سيحل بفصحاء العرب لو أنهم اليوم بيننا؟ وهل كان صاحب لسان العرب أبو الفضل جمال الدين ابن منظور سيؤلفه على ما هو عليه اليوم لو كان حاضراً بيننا؟ أكان المتنبي سيقول مفاخراً بمعرفة القرطاس والقلم له؟ وأستغرب أننا نتشدق بعظمة لغتنا العربية وتاريخها، في الوقت الذي نجدها فيه تترنح أمام أبسط ثقافات الوافدين، بل وتتزلف لمعتنقيها بمباركة أبنائها بكل هدوء، حتى وهم يكسرون مرفوعها، ويجرون منصوبها، ويلوونها لياً دون رحمة. ومع تصاعد مؤشرات نسبة حضور اللغة الوسيطة في مجتمعاتنا، أتساءل هل نحن مُقبلون على عُجمة لغوية ليس كمثلها عُجمة؟