عندما نحترم من نحاور.. عندما يسارع المتابعون للحضور من أجل الإصغاء والتعرف على وجهات النظر المختلفة.. عندما نتخلى عن عنصريتنا وتشجيعنا الأعمى لهذه المدرسة الفكرية أو تلك، حينها قد نخرج ببعض المفيد

بدأ الحوار وافتتحت الجلسة، تعرض قضية مهمة نراها تتصدر الحوارات الجانبية في معظم قنوات التواصل الاجتماعي، قلت نراها، وكل منا له الحق في اختيار ما يراه مهما في ظرف أو وقت ما، وما أراه مهما قد لا يراه غيري كذلك، ولكن هذا لا يعطي أي فرد الحق في التقليل من القضية أو ممن يحمل شعلة التوعية أو البحث عن الحل! ويظل هنالك من يعترض قائلا: هل انتهت كل القضايا حتى نناقش هذه؟ أو لماذا لا تناقشون هذه القضية أو تلك؟ أو لماذا تصرون على العودة لهذا الموضوع؟، وإن أشعلت أصابعك العشر في البحث وانتقاء مواضيع تهم الغالبية من المجتمع، تجد أن هنالك دائما من يقول: أنا أعترض!
ورغم إظهار الكثير منا أننا متحضرون ومحاورون أذكياء، غالبا ما نصدم بجدار الجهل وتحجر المواقف، لدرجة أننا مهما حاولنا أن ندور حولهم جاهدين في البحث عن ثغرة في مكان ما نستطيع من خلالها التوصل إلى العقل المحاصر، نجد أن كل ما نقوله يصل إلى الشمال، يطوف حول اليمين، وقد يدور عدة مرات فوق الوسط، ولكن أبدا لا يصيب الهدف، ونشعر وكأننا في ملعب شبيه بملعب كرة قدم، بكل ما تحمله تلك الصورة من حراك مكوكي تتبادلك كل أجزاء اللاعبيين فيما بينها إلا العقل.. إلا العقل، وهنا استخدمت رياضة كرة القدم كمثال توضيحي، لا تهجما أو تقليلا من شأن هذه الرياضة، حيث نجد أن المشجعين يأتون كي يشدوا من أزر فريقهم بالأناشيد وأحيانا بالطبل والزمر ليبثوا الحماس في عروق اللاعبيين، ولكن الكثير من مشجعي الحوارات لم يأتوا أصلا للإصغاء والاستمتاع بما ينطوي عليه مدارك المحاورين من ثقافة ومعلومات تشد كما تعلم وترتقي، ولو على نطاق ضيق، كأن تظهر لك الإيجابيات والسلبيات لتقرر في النهاية أي فريق تساند، بل أتوا لأهداف خارج نطاق التغطية! تجد نفسك وسط بحر من المشجعين ممن يدخلون على الخط، ويشوشون على الحوار! منهم من أتى وعلى تصميم مسبق لمهاجمة ومقاطعة المتحدث الخصم، ومنهم من يستمع ولا يصغي، وكلما علا التذمر سارع إلى ضم صوته، رغم أنه من الأصل في عالم ثان، ينزل منه بين الحين والحين فقط للمؤازرة والمساندة، ومنهم يستمع وأيضا ولا يصغي بل يتتبع كلمات يعتبرها كجرس تنبيه كي يبدأ الاعتراض والمقاطعة دون أن يعرف كيف ولماذا وعلى أي حيثيات تم استخدام الكلمة.. كل ما يعرفه أنها من الكلمات التابو ويجب أن تحاصر وتخنق في مكانها!
تترك كل هذا الضجيج المفتعل وتتسمر في مكانك، ورأسك متجه إلى أقصى ما تستطيع أن تمده، إلى الأمام، كي تتابع الحوار، لعلك تجد ما يساعدك على تفهم الرأي الآخر، أو على الأقل معرفة من أين يستسقي آراءه وعلى ماذا يبنيها... هيهات، وكأنك تمد رأسك لتضربه بحائط آخر! والأنكى من ذلك أن نجد أن الفوضى قد وصلت منصة الحوار ذاتها! فأحيانا تجد المحاور الذي وجد نفسه أنه قد حشر في زاوية، يستأسد فجأة ويبدأ بالهجوم على محاوره، مسترشدا بمعلومات، أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها إشاعات ولا تمت للحقيقة بصلة، ورغم شكه بأنها قد تكون كذلك، إن لم يكن هو أصلا من أطلقها، يصر على قيادة الحوار إلى زاوية أخرى خارج كادر التصوير، أي خارج المعلب كُليّةً!
وهنا ترمي منشفتك البيضاء في وسط الحلبة وتمضي مشمئزا... ماذا ينتظر منا أن نفعل غير ذلك؟! نحن كلما سمعنا عن نقاش حضاري أو ثقافي، سياسي أو حتى ديني، سعدنا وسارعنا لنكون أول الحضور، أو على الأقل نتابعه على النت، فنجد وكأننا نتابع أفلام أكشن أو رعب! وكل ذلك كوم والتعليقات كوم آخر! بعضها يجعلك تتساءل: من أي كوكب هبط أصحابها؟ وتبدأ بالشك بأنه ربما ما يعرض على القنوات الثقافية على تنوع خلفياتها، من أنه يوجد شعوب أتت إلينا من الفضاء، ربما... أقول ربما فيها بعض من الحقيقة!
هل تريد أن تضحك إلى أن تقع من على كرسيك؟ هل ترغب في أن يرتفع ضغطك في ثوان؟ هل تنتظر جلطة عصية في الدماغ؟ تابع التعليقات ولسوف تجد كل ما يستجيب لمطالبك! إنها كفيلة بأن تجعلك تهاجر إلى المنتديات الأجنيبة لتشارك في حوارات قضايا مجتمعات غريبة عنك ولكنها على الأقل لا تعتدي على إنسانيتك، صحتك، ولا تفقدك ما تبقى من عقلك!
عندما نحترم من نحاور، عندما يسارع المتابعون للحضور من أجل الإصغاء والتعرف على وجهات النظر المختلفة، عندما نتخلى عن عنصريتنا وتشجيعنا الأعمى لهذه المدرسة الفكرية أو تلك، أو هذه الشخصية أو تلك، عندما ينتج عن الحوار أفكار جديدة تشكل أرضية مشتركة ينطلق منها حوارات مستقبلية، عندما يعتبر المتابع أنه يجلس في معقل فكر وصرح ثقافي لا مدرج ملعب رياضي، حينها قد نخرج ببعض المفيد، ولن أقل كله، لأننا لكي نصل إلى أول الطريق يجب أن نتعرف على الطريق أولا، ونحن للأسف ما زلنا ندور في أروقة الأزقة الخلفية!